ما نعيشه اليوم ليس انزلاقاً عابراً، بل هو انحدار أخلاقي واضح، ومشهد مُقلق يُعيد إلى الذاكرة أسوأ نماذج الدول البوليسية خاصة بعقليات مواطنيها. الأخطر لم يعد في قرارٍ يصدر من فوق، بل في مُواطِن قرَّر أن يلعب دور الجلاد، وأن يتطوَّع بدور المُخبر، وأن يحاكم النوايا قبل الأفعال، والكلمات قبل الوقائع، والظنون قبل الحقائق. في زمن «البعث»، كانت الوشاية نظاماً، وكانت محاكمة النوايا سياسة رسمية. وكان المُواطِن يُساق إلى الهلاك بسبب كلمة، أو صمت، أو حتى «تعبير وجه». كُنا نظن أن هذا النموذج دُفن مع أنظمته، فإذا بنا نراه يُستنسخ، وبحماسة مريضة، وتحت عناوين فارغة، مثل: «الغيرة على الوطن»، و«حماية الدولة». اليوم، يخرج علينا مواطنون بلا صفة ولا مسؤولية، ينصِّبون أنفسهم أوصياء على العقول، يفتشون في التغريدات، وفي الجُمل، وفي النوايا الخفية التي لا يعلمها إلا الله. لا يبحثون عن جريمة، بل عن شُبهة. لا يريدون قانوناً، بل عقوبة. لا يسعون لحوار، بل لإسكات. هؤلاء لا يختلفون جوهرياً عن مُخبري الأنظمة القمعية، سوى أنهم يمارسون الدور طوعاً، لا خوفاً. الأسوأ أن التحريض صار سلوكاً مقبولاً، بل ومكافأً عليه اجتماعياً. البلاغ لم يعد استثناءً، بل صار وسيلة تصفية حسابات، وإثبات ولاء، وطلب قُرب... كلمة تُجتزأ، سياق يُلغى، نية تُفترض، ثم تُسلَّم الضحية جاهزة إلى الدولة، وكأن الدولة مكتب شكاوى للخصومات الشخصية، أو أداة لإشباع عقد النقص. وهنا يجب أن يُقال الكلام بوضوح فج: مَنْ يُحرِّض الدولة على مُواطن بسبب رأي، هو خطر على الدولة نفسها، ومَنْ يشيع ثقافة محاكمة النوايا، يهدم فكرة القانون من أساسها، ومَنْ يفرح باستدعاء الناس بسبب كلمة، سيأتي يوم يُستدعى فيه بسبب صمته. الدولة لا تحتاج إلى هذا النوع من «الوطنيين». الدولة القوية لا تُدار بعقلية الوشاية، ولا تُحمى بتحويل المجتمع إلى ساحة شكٍ متبادل. الأمن الحقيقي لا يُبنى على الخوف، بل على الثقة. والاستقرار لا يصنعه الصمت القسري، بل العدالة الواضحة. محاكمة النوايا تعني شيئاً واحداً: أن لا أحد آمن. اليوم غيرك، وغداً أنت. اليوم رأي سياسي، وغداً مزحة، وبعده صمت مُريب. هذا الطريق معروف، والتاريخ مليء بجثثه. والأخطر من كل ذلك، أن هذا السلوك يخلق مجتمعاً مريضاً؛ مجتمعاً يراقب نفسه، ويخاف من نفسه، ويكره نفسه، مجتمعاً يتظاهر بالهدوء، فيما يغلي من الداخل. ليكن واضحاً: التحريض ليس وطنية، والوشاية ليست غيرة، ومحاكمة النوايا ليست قانوناً. ومَنْ يُصرُّ على لعب هذا الدور القذر، فليتذكر جيداً: بقيت أسماء المخبرين في الهامش، مقرونة بالخزي، لا بالبطولة.
Ad