يجدر بنا قبل أن نتحدَّث عن دور ومشاكل المثقفين، أن نبحث قليلاً في مفهوم الثقافة في اللغة وعلم الاجتماع، إذ ترتبط كلمة الثقافة في اللغة العربية بمعاني الصقل والشحذ والتقويم، وفي اللغة الإنكليزية بالزراعة والحرث والتمرين، وتحسين الفهم والذوق، والتنوير، والتحضُّر.ويميِّز الباحثون بين التعليم والتثقيف: «فالتعليم، هو تلقي معلومات منظمة بطريقةٍ مخططة لصياغة الفكر، وتوجيه الوجدان، وتحديد المسلك الأخلاقي على نحو معيَّن».أما الثقافة، فتقول موسوعة الهلال إنها أكثر ما تكون ثمرة المعايشة الحيَّة التلقائية في أغلب الأحيان، أي ثمرة التمرُّس بالحياة، والتفاعل مع تجاربها وخبراتها، رغم أن التعليم النظامي قد يكون أحد مصادرها.والثقافة هي نظرة عامة إلى الوجود والحياة والإنسان، وقد تتجسَّد في الدِّين والفلسفة والفن والأدب والقِيم العامة السائدة في المجتمع. فمثلاً، تعتبر الموسوعة البريطانية Britannica أن منطقة ثقافة الشرق الأوسط، هي «الواقعة بين المغرب وموريتانيا عبر شمال إفريقيا إلى أفغانستان» (1980.v.12,p.167)، وهي حدود لا تنطبق بالضرورة على منطقة الثقافة العربية أو الإسلامية كلها.وضع محمد بن منظور (1232 - 1311) معجم لسان العرب المحيط، ولا يزال من أهم المراجع اللغوية وأبرز المعاجم العربية وأثراها. ولا يُشير لسان العرب إلى كلمة «ثقافة» بالمعاني المتداولة في المنشورات العربية اليوم، لكنه يبيِّن أن كلمة «ثقف» الشيء ثقفاً وثقافاً وثقوفة، بمعنى حذقه وأتقنه، و«رجل ثقف» بمعنى حاذق فَهِم! فربما كان هذا الثقف بمعنى «جنتلمان» ذلك الزمان، ويُقال في وصفه إنه «رجل ثقف لقف».والطريف أن الثقافة واللقافة كانتا تقريباً بمعنى واحد، وهو حذق وإتقان الشيء.لا أدري متى ظهرت أو استُخدمت كلمة ثقافة في اللغة العربية بالمعنى المُستخدم اليوم، وقد رأيت الكلمة في قاموس المنجد في طبعته الـ 12 الصادرة في أبريل 1951 في بيروت، تأليف لويس معلوف، بعنوان «معجم مدرسي للغة العربية». وقد اشتريت نسختي هذه من طهران، ربما عام 2005، وتحمل كذلك ختم «مكتبة إرشاد»، وهي معروفة بأنها مكتبة «حسينية إرشاد» ذات الصِّلة بجماعة آية الله الخميني ود. علي شريعتي، وغيرهما من قادة الثورة ومفكريها.وتُعرِّف الطبعات الحديثة من «المنجد» (كقاموس المنجد في اللغة العربية المعاصرة 2001) الثقافة، وجمعها ثقافات، بأنها - الثقافة - تمكُّن من العلوم والفنون والآداب، وغنى فكري ومعرفي واسع، ومجموع المعارف التي تسمح بتنمية الذوق وحاسة النقد وقُدرة الحكم على الناس، وفي الأمور والأشياء (دار المشرق - بيروت 2001).ولنسأل: كيف ينظر علم الاجتماع إلى مفهوم الثقافة؟الثقافة باختصار شيئان؛ أحدهما في غاية البساطة والسطحية، كعادات الناس، وطُرق معيشتهم، وأسلوب تعاملهم مع بعضهم ومع الآخرين... إلخ.يقول معجم العلوم الإنسانية: «تختلف عادات الأكل بين فرنسا واليابان، ولا يتم اعتناق القِيم نفسها بين مواليد نيودلهي ومواليد نيويورك».والشيء الآخر، الذي يُسمَّى أيضاً ثقافة، يشمل فكر وعقائد وفلسفات المجتمع، وهي بالطبع أصعب وأعمق ما تنتجه أي مجموعة بشرية، أو يفكر فيه ويُبدعه أي شعب.فعندما نتكلم عن الثقافة العربية، مثلاً، فنحن نعني حياة الناس، وأسلوب تعايشهم، وتعامل الرجل مع المرأة، وتربية الأطفال، وغير ذلك.لكن الثقافة العربية تشمل كذلك: الفكر، والمؤلفات، والشعر، والنثر، وكل ما هو مطبوع ومنشور، بل وما هو غير مطبوع وغير منشور حتى الآن، كالمخطوطات، وأشرطة المقابلات، والأغاني الخاصة، وكل شيء تقريباً.ويلاحظ باحث أنه رغم قلة استخدام كلمة الثقافة ومشتقاتها طوال القرن التاسع عشر، وشيوع كلمات ومصطلحات أخرى، مثل: التربية، والمعارف في كتابات الطهطاوي والمرصفي من علماء ذلك القرن ومفكريه، فقد ظهرت كلمة المثقفين فيما كتبه الشيخ محمد عبده في العدد الأول من جريدة العروة الوثقى في 13/ 3/ 1884، حيث ذكر أن «الدافع لأن يفكر المسلمون والمثقفون منهم في إصدار مثل هذه الصحيفة، هو ضعف المسلمين، لافتراق كلمتهم».
مقالات - زوايا ورؤى
محاولات في تعريف الثقافة (1-2)
17-01-2026