يبدأ مقام الزهد بكلمة جامعة قالها رسول الله ﷺ: ازهد في الدنيا يحبك الله... وازهد فيما عند الناس يحبك الناس.

فالنبي ﷺ يضع أصل الطريق... التحرر من التعلّق، ألا تحزن على ما فاتك، ولا تغتر بالآتي، بل قلبٌ يرى الدنيا كما هي... دار ممرّ لا مستقرّ.

ثم يأتي عليّ بن أبي طالب ليُتمّم هذا التوازن بقوله: الزُّهْدُ كُلُّهُ بَيْنَ كَلِمَتَينِ مِنَ الْقُرْآنِ... قَالَ اللهُ سبحانه ﴿ لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ﴾، فَمَنْ لَمْ يَأْسَ عَلَى الْمَاضِي وَلَمْ يَفْرَحْ بالْآتِي فَقَدْ أَخَذَ الزُّهْدَ بِطَرَفَيْهِ.

Ad

ما أروعها من كلمة، فهي تختصر حقيقة الزهد في آيتين من كتاب الله، وفلسفة التوازن الإلهي في نظرة الإنسان إلى الدنيا.

 جوهر الزهد ليس في ترك المال أو متاع الدنيا، بل في التحرر من التعلق بها... فلا تحزن على ما فاتك، ولا تفرح بما ستناله.

فمن استطاع أن يظلّ قلبه ثابتاً بين النقص والزيادة، فقد بلغ مقام الزهد الحقّ. وهذه ليست دعوة للفقر، بل إلى الحرية.

حرية من التعلق، من الحزن على ما فاتك، ومن الاغترار بما ستناله.

الزهد ليس انقطاعاً عن الدنيا، بل هو حضور فيها دون أن تستعبدك.

ولا يعني أن تتخلى عما أوتيت، بل ألا تسمح له أن يمتد إلى أعماقك.

لأنّ قلبك معلّق بالذي لا يزول.