الاختلاف نبض العقل الخفي. فلو تشابهت الأفكار وتطابقت الآراء، لتحول العالم الفكري إلى صدى موحش. وهنا يجب التفريق بين الاختلاف والخلاف. فالاختلاف طبيعة فكرية، والخلاف نتيجة طبيعية لاختلاف العقول والطبائع والتجارب والثقافات. فجوهر التحدي يكمن في وجود الاختلاف وبكيفية إدارته، وعدم تحويله من مساحة للنقاش إلى ساحة صِدام.

ومن هذا المنطلق يجب أن نتساءل: كيف نختلف دون أن نجرح إنسانيتنا أو نحول الاختلاف إلى خلاف؟

الأمر ببساطة يكمن بإتقان مهارة إدارة الاختلاف مع الوعي الكامل بأن الكلمة قد تكون إما جسراً للعلاقات أو سكيناً تقطع حبل المودة. فحرية الرأي والتعبير ليست مجرد نص قانوني وحقوقي، بل ثقافة يومية تتجسد في استخدام مفرداتنا وقدراتنا على التفاعل دون إصدار أحكام مسبقة. فيجب ألا نترك مجالاً للاختلاف بأن يؤدي إلى الإقصاء أو الكراهية، أو أن ينتهك حقوق الإنسان وكرامته باستخدام قوة لفظية أو حركية تكون شكلاً من أشكال من العنف الذي يقوض حق الإنسان في الأمان، والاحترام، والحرية.

Ad

فمن أبرز المهارات الأساسية في إدارة الاختلاف هي مهارة «الإنصات» وهي الاستماع الفعال والإصغاء التفاعلي الذي يمنح الطرف الآخر حق الوجود ويهدف إلى تحقيق الفهم والتجاوب، وهي مهارة تعكس احترام الكرامة الإنسانية وحق الإنسان في أن يتم الاستماع إليه. أيضاً، من المهارات المهمة مهارة «ضبط الانفعال» وهي التحكم في النفس والمشاعر خصوصاً في أوقات الغضب والتوتر والانفعال، فالهدوء في الحوار يحمي العلاقة من الانهيار ويحمي الكرامة الإنسانية من الامتهان. كما يجب أن نتقن مهارة «التعبير باحترام» بأن ننقل آراءنا وأفكارنا بوضوح دون تجريح وباستخدام مفردات لبقة تعمق الاحترام بين الأطراف دون إساءة وبمنح الحوار شرعية أخلاقية نبيلة. كذلك، من المهارات التي تعزز ثقافة التسامح هي «تقبل التعددية» وأن الحقيقة ليست حكراً على رأي واحد، فلكل منا نافذته التي يطل بها على عالمه ولكل منا نظرته التي يرى بها الآخرين. وهذا يجرنا للتركيز على مهارة مهمة وهي «التفكير النقدي» التي تتلخص بتحليل الأفكار والآراء بعيداً عن التحيز وبالتفريق بين الفكرة وصاحبها. علاوة على ذلك، إن مهارة «التفاوض والتأثير» تسهم في إنشاء نقاط التقاء تضمن حفظ المصالح وتعزز الشعور بالإنصاف. ومن المهارات الإنسانية التي تعتبر جوهرة هذا الفن هي مهارة «التعاطف» عن طريق فهم دوافع المتحدث وخلفيته الثقافية والنفسية. والتعاطف لا يعني الموافقة أو التنازل بل التفهم. فالتعاطف يذكر ضمائرنا بأن الإنسانية أوسع من أي رأي.

ختاماً، إن إدارة الاختلاف تتطلب شجاعة وقوة داخلية، شجاعة الاعتراف بأن الحقيقة قد تكون متعددة الزوايا، وقوة بأن رؤيتنا ليست حقيقة مسلمة. فالاختلاف لا يقلل من قيمة الإنسان، بل يثري الحوار الإنساني ويعمق الفهم المشترك. فالمجتمعات التي تحترم التنوع وتدير اختلافاتها بحكمة، هي مجتمعات أكثر عدلاً، وأكثر قدرة على حماية حقوق أفرادها. ففي عالم تتكاثر فيه الأصوات، يبقى الصوت الأجمل هو الصوت الذي يعرف كيف يختلف... بكرامة.

* مترجمة وكاتبة وفنانة تشكيلية