«حس الفكاهة» سلوك بشري خاص، يحبه الناس وتتداخل ضحكاتهم، وقد يتحول إلى ما يناقضه إذا جاء في غير موضعه. الفكاهة سمة يتميز بها العرب بشكل واضح، وهي هبة وفن في التكيف مع الحياة ومواجهة الظروف. لكن الفكاهة أو التنكيت أو الغشمرة أو المزاح... لا يصح ولا يُقبَل في بعض الحالات والمواقف، وينقلب إلى وقاحة! من غشمرة إلى تجاوز! ومن طرفة إلى شجن! تُنبِه التوجيهات الحكيمة إلى «عدم خلط الجد بالهزل»، واعتبار ذلك من الأخلاق المذمومة، وفيه الحديث بالباطل والاستخفاف بالآخرين، وقد يورث البغضاء ويفسد المحبة، ويفتح أبواباً للظنون والشر.
لا يمكنك أبداً وعلى أي حال أو طريقة أن تمزح فيما يتعلق بمبادئ الآخرين، أو يمس كرامتهم، أو بأي أمر يرتبط بمشاعرهم أو شؤونهم الخاصة، ثم تبرر بأنك تمزح! وتتهرب من مسؤوليتك عن كلماتك باتهام الآخرين بالجدية والنكدية! وتقلب الموقف بأن فلاناً حساس جداً ولا يتقبل الغشمرة!
احذر أشد الحذر من إلقاء نكتة عن الظروف الصحية بحجة أنك تريد تلطيف الجو أو التخفيف! لا تحاول أن تلعب دور المهرج، لم يُطلب منك ذلك ولن تجني منه أجراً.
«المزاح الثقيل» و«الغشمرة البايخة» هي ما يحدث عندما تهزل وقت الجد، في الأمور التي تلامس الأفراد بصفة شخصية، محاولات للظرافة وتصنّع الطرافة بلا توقيت أو حاجة، ينتج عن ذلك أن تجرحهم أو تحرجهم. هناك اضطراب في هذه الفكاهة، فساد رأي وخلل في التعامل مع انفعالات الناس وافتقار للأدب.
هذه المواقف من سوء التجاوب أو أن يخونك التعبير أو ألا توفق في مزحك... كلها قد تحدث في أي يوم، الإشكالات أمر طبيعي في التفاعل بين الناس، لكن الإشكالية المعقدة أن يُكابر الفُكاهي فلا يهتم ولا يعتذر، ويرى أنه كان يمزح ومن لا يتقبل فهذه مشكلته وليترك عنه الدراما والدلع!
اعترضت الفكاهة المشوهة حياتنا حتى في بعض الأعمال الفنية التي يتحول فيها الأداء إلى استهبال، ويدخل فيها الشتم وتطرح مواضيع غير لائقة بأسلوب بذيء. حتى بعض المقاطع التمثيلية على مواقع التواصل التي لا هم لها إلا الطعن في الأقارب، وتكرر تقديم هذه الأفكار المسمومة بإصرار أحمق على أن الغرض مجرد مزح وضحك.
نعم هنالك حدود للفكاهة، وآداب وضوابط أوضحها الشرع حفظاً للنفس والكرامة، وتحقيقاً للأنس دون شطط.
كثرة المزاح تخلط الحقائق، فتحطّ من قدر المرء وتلغي مصداقيته، وتجعله جلفاً ثرثاراً لا تطاق مجالسته.