أكثر من عشرين يوماً، الطريق نفسه، لكن الوجوه تتغير، توقفت سيارتي عن العمل، فتوقف معها روتيني اليومي، بلا مقدمات، صرت أشارك أناساً -لا أعرفهم- مقاعد وتفاصيل صغيرة من حياتهم.
التوقف عن استخدام السيارة وإن كان إجبارياً، يعد فرصة كافية لاكتشاف أكثر من جانب للعديد من الأشخاص الذين يعيشون من حولنا، خصوصاً أولئك الذين نشاهدهم على مدار الساعة وفي وظائف متنوعة، تجمعهم المهنة، وتصنفهم الجنسيات واللهجات.
عطل السيارة وإدخالها «الكراج» لفترة ليست بالقصيرة، أجبرني على «الاستعانة بصديق»، ولم أجد أكثر التزاماً من التاكسي الجوال في إنجاز المهام والمشاوير، فضلاً عن الذهاب من المنزل إلى العمل والعكس، بالفعل كانت تجربة جديرة بالاهتمام بأدق التفاصيل، فهي عبارة عن رحلات سريعة، مختصرة، ومشوقة، تجمع بين معاناة مهنة سائقي التاكسي، وقصصهم التي لا تخلو من الشكوى المصحوبة بغصة الاشتياق لأسرهم وأولادهم.
كل مشوار كنت أتعامل معه كقراءة تأملية في صفحات تحمل معلومات، أفكاراً، ورأياً مختلفاً، كل من السائقين له حياته الخاصة، ونظرته للمجتمع بل الكوكب بشكل عام، من خلال التاكسي الذي نراه مجرد مركبة تجول الشوارع، لكنه في حقيقة الأمر كهف من الأسرار، ومساحة أكبر وأوسع من الاعترافات العابرة أحياناً، والمكثفة أحياناً أخرى!
بعضهم يصمت طويلاً، وآخرون يعتبرون الزبون متنفساً للتعبير عن مشاعرهم وأحوالهم، فيما يحرص غيرهم على أن العلاقة مع الزبون يجب أن تكون محدودة جداً بحيث تكون عبارة عن سؤال وجواب فقط.
في التاكسي نرى الحياة ولا نتخيلها... بكل صراحة، تجربة التاكسي الجوال مفيدة كثيراً ومريحة، على الأقل فيما يتعلق بالابتعاد عن الضغط النفسي، خصوصاً وقت الزحمة المرورية، وعدم التزام بعض مستخدمي الطرق بالقوانين، شخصياً، أتمنى تكرار هذا الاستكشاف، شرط أن يكون اختيارياً لا إجبارياً!