خلال الأسابيع الماضية تزاحمت الأخبار حول اليمن وتراكمت واستفحلت، وأنا هنا لست بوارد سردها، بل بذكر واقعةٍ أغاظتني كثيراً، وتتمثَّل في سقوط النُّخب ليس السياسية فحسب بل النُّخب المُتعلِّمة والمثقفة، والتي كان البلد يأمل فيها خيراً كبيراً، فالأستاذ الدكتور تحول إلى قروي التَّفكير، عصبي القول والفعل، والفنان السَّاحر بريشته كان المُبادر بنفسه وذاته للتطبيل للسياسة العوجاء التي يمارسها سياسيو المرحلة، والشاعر الأديب سقط أيضاً في وحل النَّدامة والخيابة، بل والإداري الكبير تعصَّب هو الآخر لزعيمٍ أو لفصيل، فكان ذلك هو السقوط الكبير لهذه النخبة التي انسلَّت من وجدانها، وانسلخت من تاريخها.
ولعلي سأعود إلى الوراء، فما يؤخذ على الثورة الدستورية – أولى الثورات العربية – التي قامت عام 1948م، أن من قام بها هم النُّخبة المُتعلمة والمُتنوِّرة في واقعٍ مختلفٍ ومتخلف، كانفصامٍ ذاتيٍ عن جمهورٍ أُميٍ وجاهل، أما في أيامنا هذه فحدث العكس تماماً كانت النَّكبة والنَّكسة من النُّخب ذاتها، ممن درسوا وتعلَّموا واستفادوا من هذا الوطن خير استفادة، لتصبح مأساته الحقيقية ليس في فقر موارده، ولا في تعقيدات جغرافيته، ولا حتى في تدخلات الخارج، بل في مفارقةٍ أكثر إيلاماً نُخبٌ متعلِّمة ومُثقَّفة تلقَّت التَّعليم في الدَّاخل والخارج، وامتلكت العلم والمعرفة والمنصب والسُّلطة، ولكنها استخدمتها لتكريس الخراب لا لبناء الدولة، فاختارت -بوعيٍّ كامل- أن تُحوِّل العلم والمعرفة إلى أداة إقصاء، والسُّلطة إلى غنيمة، والدَّولة إلى كيانٍ مُنهارٍ ومُدمَّر.
في مختلف دول العالم تُعد هذه النُّخب جسراً بين الحداثة والمجتمع، تُحوِّل الأفكار إلى مؤسسات بناءٍ ونهضة، فتجد بلدانهم تتقدم وتزدهر، فعندما حدث الاجتياح النَّازي للاتحاد السوفياتي خرج رئيسه جوزيف ستالين يطالب الرُّوس بالتطوع لحماية أرض كانط وتولستوي ودوستويفسيكي، أي أرض نُخبه ومُثقفيه، كواقعةٍ لدورها ولما قدَّمته لشعبها وأرضها.
أما النُّخب اليمنية فقد أصبحت معولاً للهدم، وبوقاً للتشرذم، ولساناً للتبرير القاتل والتَّصنيف المخيف والتخوين الهائل لكل من يخالفهم، فكان الضحية بالطبع وطنهم وبلدهم أولاً، وشعبهم ثانياً، ولعل الأخطر من سِمات هذه النُّخب قُدرتها على إنتاج خطابٍ يُبرِّر الفشل بالعديد من المصطلحات البرَّاقة كالمؤامرة الكونية، والخصوصية اليمنية، وضيق الوقت، وهشاشة المجتمع... كل شيءٍ صالحٌ بوجودها لتحاول مع مرور الوقت تحويل هذا التَّبرير إلى ثقافةٍ عامَّة، تسهم في إعادة إنتاج الأزمة عبر الأجيال، وتُهشِّم التَّفكير النَّقدي، وتُصيغ مناهج وخطابات تُقدّس الزَّعامة الحزبية والسياسية حتى أعدَّت بعضها كأصنامٍ تُعبد، ومنحتها قداسةً كبيرة.
وحينما عجزت عن إدارة الخلاف السياسي داخل الدولة، اختارت إدارته خارجها بالسلاح، بالقتل، بالموت بمختلف ألوانه، وهذا يعد أوضح صورة لجنون هذه النُّخب، فمن أجل الحفاظ على النُّفوذ والسِّيطرة تُشعل العنف مراراً وتكراراً، بالرَّغم من كونها تعرف كُلفته الإنسانية والاقتصادية.
وفي الأخير... إن كارثة الشُّعوب ليست في المجتمعات العاملة البسيطة، بل في النُّخب الفاترة القاترة، التي امتلكت وتحصَّلت على كل شيءٍ من تعليمٍ وثقافةٍ وسلطةٍ وجاه، ولكنها كانت المُسارعة في ارتكاب أعظم الجرائم وأقذعها في حق بلدانهم وشعوبهم، واليمن ليس استثناءً بالطبع بل واقعٍ يُحكى، وقصةٍ تُروى، ووجعٍ أليمٍ يُردَّد على ألسنة الجميع.