تتركّز معظم النقاشات حول مستقبل إيران على الاحتجاجات الشعبية وحجم الغضب في الشارع، غير أن هذا التركيز، على أهميته، يتجاهل عاملا حاسما في أي عملية تغيير سياسي، وهو موقف المؤسسة العسكرية والأمنية.

فالتجارب المقارنة في علم السياسة تؤكد أن التغيير الجذري لا يتحقق بالاحتجاج وحده، بل عند لحظة تحوّل داخل مراكز القوة الصلبة في الدولة.

في الحالة الإيرانية، تبدو هذه الحقيقة أكثر وضوحا، فالدولة لا تعتمد على جهاز أمني تقليدي فحسب، بل على منظومة مركّبة تتداخل فيها السياسة بالعقيدة والاقتصاد. 

Ad

هذه المنظومة تشكّل العمود الفقري للنظام، وتمنحه قدرة عالية على الصمود في وجه الضغوط الداخلية، حتى في لحظات التوتر الشعبي. من منظور العلاقات الدولية والنظم السياسية المقارنة، تُظهر التجارب أن سلوك المؤسسات العسكرية يختلف جذريا بين الأنظمة السلطوية ذات الطابع العقائدي، والأنظمة السلطوية التقليدية أو الهجينة. 

والفرق هنا جوهري بين الجيوش المهنية التقليدية، التي قد تنحاز في لحظات تاريخية إلى الشارع أو تلتزم الحياد، وبين الأجهزة ذات الطابع العقائدي، التي ترى في بقاء النظام جزءا من هويتها ومصدرا مباشرا لنفوذها.

في إيران، يصعب الفصل بين المؤسسة العسكرية والنظام السياسي، وهو ما يفسّر غياب مؤشرات الانقسام الحاسم حتى في ذروة الاحتجاجات. وهذا لا يعني أن المؤسسة العسكرية كتلة واحدة بلا تباينات، لكن هذه التباينات، إن وُجدت، لم تصل بعد إلى مستوى الانقسام العلني أو الصدع المؤثر. كما أن إدارة الاحتجاجات لا تزال تُقارب من منظور أمني محسوب، بما يعكس ثقة النظام بقدرته على الاحتواء، لا على المواجهة المفتوحة التي قد ترفع الكلفة السياسية. 

وتُظهر تجارب دولية عديدة أن لحظة التحول تبدأ عندما تتغيّر حسابات المؤسسة العسكرية، إمّا بسبب كلفة القمع، أو بفعل انقسام داخلي، أو نتيجة تحولات عميقة في البيئة السياسية والاقتصادية. 

وفي غياب هذه العوامل، تبقى الاحتجاجات عامل ضغط مهما، لكنها لا تتحول إلى أداة حسم. في السياق الإيراني، يضاف إلى ذلك عامل الحساسية الشديدة تجاه أي تدخُّل خارجي، فكلما ارتفع منسوب التهديد أو الضغط الخارجي، تعزّز خطاب «الدفاع عن السيادة»، مما يمنح المؤسسة العسكرية مبررًا إضافيًا للتماسك، ويُضعف فرص تشكُّل انقسام داخلي في صفوفها.

من هنا، تبدو الرهانات على تغيير سريع أو انهيار مفاجئ للنظام رهانات متعجلة. فالتغيير، إن حدث، سيكون على الأرجح نتيجة مسار طويل من الاستنزاف والتراكم، لا نتيجة انفجار لحظي.

وفي هذا المسار، يظل موقف المؤسسة العسكرية هو العامل الفاصل بين الاحتجاج بوصفه ظاهرة اجتماعية، والتغيير بوصفه حدثًا سياسيًا.

الخلاصة أن فهم المشهد الإيراني يتطلب تجاوز التركيز الحصري على الشارع، والنظر بعمق إلى مراكز القوة داخل الدولة، فالتاريخ لا يصنعه الغضب وحده، بل تصنعه التحولات داخل البنى التي تملك القوة، وحتى الآن، لا يبدو أن هذا المفتاح قد دخل معادلة التغيير في إيران.

 * أكاديمي في قسم العلوم السياسية - جامعة الكويت