كيف يمكن لرئيس دولة محاط بأجهزة أمنية معقدة أن يختطف من فراشه ليلاً مع زوجته، بسرعة ودقة عالية، دون اشتباكات تُذكر، ولماذا تم اختطافه بدلاً من اغتياله؟ مع أن الاغتيال أسهل!
بدأت عملية اختطاف رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو بتعطيل مفاجئ للكهرباء عن الموقع الذي كان يقيم فيه، مما شلّ أنظمة المراقبة والاتصال، وأفقد الحماية من الرؤية والسيطرة. وفي لحظات العتمة تلك، تحركت قوات «دلتا» وكأنها تعرف طريقها.
كانت العملية ثمرة أشهر من التخطيط والتدريبات الدقيقة، بمبنى أُنشئ نسخة طبق الأصل بالحجم الطبيعي لمنزل مادورو الآمن في كاراكاس للتدرب على طرق دخوله.
وتقول مصادر من CNN إن مادورو كان على وشك الاحتماء بغرفة آمنة فولاذية صممت خصوصاً لمثل هذه المداهمات، غير أن سرعة الاقتحام لم تمهله سوى ثوانٍ، إذ وصل إلى عتبة الغرفة دون أن يتمكن من إغلاق بابها، قبل أن تُحكم السيطرة عليه وعلى زوجته. هذا التفصيل - إن صح - يعزز التساؤل: كيف تُغلق كل منافذ الحماية في وقت واحد، وتُحاصر خيارات رئيس الدولة بهذه الدقة، دون معلومة داخلية مؤكدة أو خيانة داخلية. لأنه من المحتمل أيضاً أن يكون أحد المقربين منه قد وشى به، نظراً للمكافأة البالغة 50 مليون دولار، التي رصدتها وزارة العدل الأميركية لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى القبض عليه.
عزيزي القارئ، لن أعقّب على هذا الحدث و«الإرهاب الأميركي» المتعمد من منظور سياسي بحت، ولكني شعرت في الدقائق الأولى وأنا أشاهد لحظات اعتقال رئيس فنزويلا من قصره، أنها فعلاً من أعنف صدمات العمر وأقساها، فكيف انقلب الحال بلحظات خاطفة، من الفخامة والعز والرئاسة، إلى الضعف والذل والمهانة؟! وكيف تحول هذا القائد المهيب الذي كان شيخ البلد إلى أسير مقهور بلا سند؟ وكيف انتُزع من قصره المنيف إلى سجن مخيف؟ وكيف أُبعد من بلده ويُسجن في أوطى سجون أميركا (سجن الهمج)؟! كيف تحول كل هذا العز والدلال إلى قهر وإذلال بلحظات؟!
أعزائي القرّاء، هناك صدمة أعظم بكثير من صدمة مادورو بقوات دلتا، قد غفل عنها ترامب وكل طاغية متجبّر... وهي عندما تأتي ساعته ويُكشف عنه حجاب الغيب، ويرى أصحاب الوجوه السود وهم يقتحمون حياته بغتة، ومعهم عزرائيل بصورته المخيفة المرعبة لينتزع روحه بلا استئذان، فينادي الروح: «أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخَطٍ من الله وغضب» فتفرق في جسده، فينتزعها نزعاً بلا رحمة كما يُنتزع الشوك العالق من الصوف المبلول، ثم تخرج روحه كأنتن ريح جيفة وُجدت على وجه الأرض... هنا فقط، ينقضي الأمر تماماً، فلا مفاوضات تنفعه، ولا واسطة تنقذه، ولا فدية من نفط أو ذهب.