في حديث جميل مع أحد الأصدقاء دار النقاش حول بعض الناس الذين لا يراعون مشاعر مَن يعيشون حولهم ممن لا يملكون قوت يومهم بسبب ظروفهم الصعبة وغيرها، فتجد فئة لا همّ لها سوى استعراض ثرواتهم التي قد تكون من وهم الخيال، وجولاتهم المكوكية التي طافت العالم، رغم أنهم لم يخطوا خطوة واحدة من أمام أسوار منازلهم، واختياراتهم لبعض المطاعم العالمية، وارتدائهم للماركات العالمية وهي طبعاً في أصل الحقيقة تقليد، وغيرها من الحكايات التي لا تعد ولا تحصى أمام فئة ظروفها القاسية وضعتهم أمام هذه الزمرة الفارغة، فهل أصبح التباهي من الأخلاقيات والعادات والقيم والمبادئ الإسلامية التي تدعونا إلى مراعاة مشاعر الآخرين؟
فهذه الزمرة التي تسرد الأوهام تعاني نقصاً شديداً في شخصياتهم المهزوزة بمنازلهم، وتواجه انفصاماً في إدراكهم للواقع الذي يعيشونه، لأنهم يريدون مواكبة موجة الفخفخة الكاذبة، ولكن ليس أمام أصحاب المكانات التي تعلوهم في كل شيء وإنما أمام أبناء جلدتهم الذين حالت الظروف أن يكونوا من أصحاب الحال الميسور، فما يملكه الإنسان من أخلاق تراعي مشاعر الآخرين وتساعدهم وتساندهم في محنهم وتخفف عنهم معاناتهم هي أسمى من كل شيء، فمهما كان رداؤك غالي الثمن فلن يضيف عليك صفات الأنقياء والصالحين والرجال، لأنك قد تكون جالساً في آخر الصف ومَن يرتدون لباساً بسيطاً في المقدمة، نظراً لما يملكونه من مكانة اجتماعية استحقوها بجدارة بفراستهم وفروسيتهم وأخلاقهم ونبلهم ومواقفهم وحكمتهم.
فغنى النفس أطيب بكثير من بعض أغنياء الثروة الذين يعيشون في عزلة وبخل وخوف شديد من تقلص ممتلكاتهم، وعلى مَن يعانون «السايكو» ضرورة الانتباه إلى أنفسهم حتى لا تتفاقم الحالة إلى مرحلة خطيرة ستنعكس حتى على مَن يعيشون معهم من أفراد أسرهم الذين قد يجدون أنفسهم أمام شخصيات حاقدة عليهم، واعلم جيداً أن هناك مَن يقول أعطني المال وسأصبح شخصاً مختلفاً أو المال سيجلب لي كل شيء، وغيرها من طرق الاستهزاء بالفقر أو الظروف المعاكسة بأن تصبح غنياً، ولكن هؤلاء افتقدوا اليقين بأن الرزق مكتوب من رب العباد، فضلاً عن العمل والاجتهاد والبذل لتحقيق المبتغى. ولكن المصيبة الأكبر عندما تكون فقيراً أخلاقياً واجتماعياً ومادياً، فمراعاة مشاعر الآخرين وعدم التباهي أمامهم بالبطولات الورقية أمر يجب الانتباه له، مع ضرورة عدم التنمر من ظروفهم أو إحراجهم، بعمد، بأسئلة مقصودة، هل سافرت للبلد الفلاني أو اشتريت الماركة الفلانية؟... وغيرها من الأمور الساذجة التي لا تصنع سوى شخصيات كرتونية تعاني النقص.
آخر السطر:
الفقر ليس عيباً ولكن العيب على مَن يملك المال ولكنه بلا قيمة في مجتمعه.