في يناير الجاري، أصدر المنتدى الاقتصادي العالمي تقريره السنوي للمخاطر العالمية لعام 2026، استناداً إلى مسح شامل شمل صانعي السياسات والاقتصاديين وقادة الأعمال والمستثمرين حول العالم.

وخلص التقرير إلى نتيجة لافتة: فقد أصبح الصراع الاقتصادي يعتبر أكبر خطر يهدد الاقتصاد العالمي، متجاوزاً التهديدات الجيوسياسية والعسكرية التقليدية.

يمثل هذا التقييم تحولاً هيكلياً في فهم عدم الاستقرار العالمي، ويحمل تبعات مهمة على اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي.

Ad

ما هو الصراع الاقتصادي؟

يشير مفهوم الصراع الاقتصادي إلى الاستخدام المتزايد للأدوات الاقتصادية كسلاح استراتيجي بين الدول، وتشمل هذه الأدوات:

• الرسوم الجمركية المضادة والحروب التجارية.

• العقوبات المالية والمصرفية

• القيود على التكنولوجيا والصادرات

• قيود سلاسل الإمداد

• السيطرة الاستراتيجية على اللوجستيات والمدفوعات والسلع.

على عكس الصراع العسكري التقليدي، يكون الصراع الاقتصادي غالباً متدرجاً ومستمراً ومتجذراً في السياسات، فهو يعيد تشكيل الحوافز بمرور الوقت، ويعطل الأسواق، ويغير سلوك الاستثمار طويل الأمد، غالباً دون نهاية واضحة.

يشير مسح المنتدى الاقتصادي العالمي إلى إجماع واسع على أن هذه الصراعات أصعب في الحل، وأطول أمداً، وأكثر إضراراً بالاقتصاد من العديد من المخاطر الأمنية التقليدية.

لماذا أصبح الصراع الاقتصادي الخطر العالمي الأكبر؟

لعقود طويلة كان النمو العالمي مدعوماً بالتكامل الاقتصادي العميق: التجارة المفتوحة، وسلاسل الإمداد الفعالة، وتدفقات رأس المال عبر الحدود. واليوم، أصبح هذا النموذج تحت ضغط شديد.

الدول الكبرى أصبحت تعطي الأولوية لـ:

• الأمن الوطني على الكفاءة الاقتصادية

• الصمود الداخلي على التحسين العالمي

• الاستقلالية الاستراتيجية على انفتاح السوق والنتيجة هي اقتصاد عالمي أكثر تجزئة، حيث تتشكل قرارات التجارة والاستثمار بقدر كبير بسبب الاعتبارات السياسية والأمنية، لا الأسعار والإنتاجية فقط. 

وبحسب تقييم المنتدى الاقتصادي العالمي في يناير الجاري، لم يعد هذا التحول مؤقتاً، فالصراع الاقتصادي يتحول إلى سمة هيكلية للنظام العالمي.

لماذا يهم هذا دول مجلس التعاون؟  

رغم أن دول مجلس التعاون الخليجي ليست طرفاً مباشراً في الصراعات الاقتصادية العالمية، فإنها معرضة بشدة لتبعاتها بسبب دورها في أسواق الطاقة العالمية والتجارة الدولية والاستثمار عبر الحدود.

1. أسواق الطاقة وتقلّب الإيرادات

تظل اقتصادات الخليج مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالطلب العالمي على الطاقة، ويؤثر الصراع الاقتصادي على هذا الرابط من خلال:

• تباطؤ النمو العالمي

• اضطراب النشاط الصناعي

• زيادة عدم اليقين في الطلب على السلع

الحروب التجارية والعقوبات والقيود التكنولوجية تقلل الزخم الاقتصادي العام، ما يؤثر بدوره على أنماط استهلاك الطاقة. وحتى عند ارتفاع أسعار الطاقة، فإن التقلب وعدم التنبؤ يزيدان من مخاطر التخطيط المالي.

يشير تقرير المنتدى إلى أن الصراع الاقتصادي يزيد من تقلبات الأسعار بدلاً من استقرار الأسواق، وهو أمر بالغ الأهمية لمصدري الطاقة.

2. الاستثمار السيادي وتخصيص رؤوس الأموال

يعد الخليج أحد أكبر مصادر رأس المال السيادي طويل الأمد في العالم، ويعيد الصراع الاقتصادي تشكيل بيئة الاستثمار هذه من خلال:

• رفع علاوات المخاطر السياسية والتنظيمية.

• تجزئة أسواق رأس المال إلى كتل متنافسة.

• زيادة احتمالية تأثير العقوبات أو القيود على سيولة الأصول.

الأصول التي كانت تعتبر محايدة سياسياً قد تصبح معرضة لتغيرات السياسات أو مخاطر الامتثال أو إجراءات انتقامية. للمستثمرين السياديين ذوي الآفاق الممتدة لعقود، يضيف هذا طبقات جديدة من المخاطر غير المالية.

ويؤكد مسح المنتدى أن المستثمرين العالميين باتوا يرون خطر الانحياز الاقتصادي مشابهاً أو أكبر من المخاطر السوقية التقليدية.

3. التجارة والواردات والضغوط التضخمية

تعتمد معظم اقتصادات الخليج بشكل كبير على الواردات في الغذاء والتكنولوجيا والمعدات الصناعية والسلع الاستهلاكية، ويؤدي الصراع الاقتصادي إلى اضطراب هذه التدفقات من خلال:

• قيود التصدير

• اختناقات النقل واللوجستيات

• تقلبات العملة

وتترجم هذه الاضطرابات إلى ارتفاع تكاليف الواردات وضغوط تضخمية مستمرة، حتى في الاقتصادات القوية ماليا. وبينما توفر الاحتياطيات وعلاقات تثبيت العملة حماية قصيرة الأجل، فإن التجزئة الهيكلية تزيد التكاليف على المدى الطويل. 

لماذا من الصعب احتواء الصراع الاقتصادي؟

من أهم النتائج التي أوردها تقرير المخاطر العالمية 2026 أن الصراع الاقتصادي يعزز نفسه سياسيا.

فبعكس الصراعات العسكرية التي قد تنتهي بالمفاوضات أو وقف إطلاق النار، غالباً ما يستمر الصراع الاقتصادي لأنه:

 • يُعرض كإجراء أمني وطني

 • متجذر في السرديات السياسية المحلية

 • يخدم صناعات أو فئات معينة

نتيجة لذلك، نادراً ما يتم التراجع الكامل عن القيود الاقتصادية، حتى عند تراجع التوترات الأولية. يتكيف الاقتصاد العالمي، لكن غالباً بكفاءة أقل وتكلفة أعلى.

التداعيات الاستراتيجية لدول مجلس التعاون

لا تشير نتائج المنتدى إلى أزمة وشيكة، بل إلى ضرورة التكيف الاستراتيجي.

وبالنسبة لدول الخليج، تبرز عدة آثار مهمة:

الانضباط المالي والصمود

في بيئة متزايدة التقلب، يصبح الحذر المالي أكثر أهمية، ويشمل ذلك:

 • افتراضات إيرادات متحفظة

 • الحفاظ على الاحتياطيات

 • أطر مالية مضادة للدورات الاقتصادية

يزيد الصراع الاقتصادي من حالة عدم اليقين، ما يجعل المرونة بنفس أهمية القوة.

إعادة التفكير في التنويع

التنويع يظل ضرورياً، لكن تعريفه يجب أن يتطور. لم يعد كافياً التنويع فقط بين القطاعات والجغرافيا، بل يجب أن يشمل أيضاً:

• التعرض للتنظيمات والعقوبات

• مخاطر الانحياز السياسي

• صمود سلاسل الإمداد

يشير التقرير إلى أن الصمود، وليس العائد فقط، أصبح هدفاً رئيسياً للاستثمار.

الحياد والتوازن الاستراتيجي

بالنسبة للمناطق التي تحافظ على علاقات متوازنة دولياً، يصبح الحياد أصلاً اقتصادياً، ففي نظام عالمي مستقطب، تعزز القدرة على التعامل مع شركاء متعددين:

• خيارات التجارة

• مرونة الاستثمار

• الاستقلالية الاستراتيجية

يؤكد تقرير المخاطر العالمية أن الاقتصادات القادرة على تجنب الانخراط في الكتل الاقتصادية أفضل وضعاً لإدارة عدم اليقين طويل الأجل.

من العولمة إلى التجزئة المدارة

يعكس تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي في يناير 2026 واقعاً أوسع: فالعالم ينتقل من عصر العولمة العميقة إلى عصر التجزئة المدارة.

ستستمر التجارة والاستثمار، لكنهما سيكونان:

• مشروطين أكثر

• منظمين أكثر

• متأثرين بالسياسة أكثر

وبالنسبة لدول الخليج، تكافئ هذه البيئة:

• التخطيط طويل الأجل على التحسين قصير الأجل

• القوة المؤسسية على صناعة السياسات التفاعلية

• الصبر الاستراتيجي على التوسع السريع

يشير تقرير المخاطر العالمية 2026 إلى أن الصراع الاقتصادي هو أكبر خطر عالمي ليس لأنه مثير، بل لأنه منهجي، مستمر، ومسبب للتآكل الاقتصادي. 

وبالنسبة لدول الخليج، لا تكمن التحديات في المشاركة بالصراع الاقتصادي، بل في التعرض لتداعياته الثانوية والثالثية: التقلب، والتجزئة، وعدم اليقين.

تعد القوة المالية، وقدرة الاستثمار، والموقع الاستراتيجي في المنطقة أساساً صلباً، لكن التنقل خلال العقد القادم يتطلب فهماً واضحاً بأن الاقتصاد أصبح ساحة مركزية للتنافس العالمي، وأن الصمود، والقدرة على التكيف، والتوازن هي التي ستحدد النجاح على المدى الطويل.