شرَّع المواطن «كاف» عن ساعده، كما تُشرع السيوف قبل الوغى،
وقد عزم على الخروج في طلب العِلّة التي أصابت بلاده،
فالدواء — كما أيقن — لا يُولد من المكان نفسه الذي اعتاد المرض.
وصل المواطن «كاف» إلى مدينة «ميم»،
مشى على مسار اللؤلؤ في المحرق،
رأى قصوراً قديمة تم ترميمها بعناية،
ومباني جديدة، ذكية بلا مباهاة.
«كاف» إنسان معتدل ومثالي،
ومع ذلك بكى على تدمير عاصمته، وناح على «الصوابر» وصالة التزلج القديمة وبيوت «البهبهانية» التي تم هدمها دون مسوغ أو معنى مفهوم.
انتهى «كاف» من البكاء واستوعب أن أكثر ما شد انتباهه لم يكن القصور...
بل مواقف السيارات
وقف مشدوهاً أمام مشروع مواقف السيارات الأربعة*.
دخلها.
خرج منها.
ثم عاد ودخلها مرةً أخرى.
قضى معظم يومه متنقلاً بينها، كما يجول السائح بين المتاحف.
لاحظ «كاف» أن السيارات تصطف بهدوء،
لا تقفز على الأرصفة، ولا تتطفل على الزوايا.
ثم استذكر بلاده،
حيث أحياء كاملة بلا «مواقف»،
ويتم انتهاك «اللا موقف» وانتزاع «الموقف» من العدم.
وقف «كاف»، استجمع قواه،
وكتب في كشكوله رسالة بالغة الرسمية، ووضع لها عنواناً لا يحتمل اللبس:
إلى السادة/ كبار المسؤولين في دولة «كاف» — تحية «موقف»،
تبين لي، بعد معاينةٍ ميدانيةٍ دقيقة استغرقت يوماً كاملاً من الدخول والخروج، أن فهمنا لـ «الموقف» يحتاج إلى إعادة تأهيل شاملة، ففي «ميم»، تُعامل «المواقف» كما تُعامل الأمانات: أرضية صلبة، حدود واضحة تضمن حرية «الموقف»، ومظلة تحميه من كل مكروه!
يبدو — والله أعلم — أن من يخطط هنا متأثر بطقوس الدفن الدلموني، حيث لكل «موقف» مرقد معلوم، ومكان مصون، لا يُترك للصدفة ولا للرصيف. أرى في ذلك تراثاً حياً يُمارس تحت الأرض، وأقترح — بكل تواضع علمي — أن تقوموا بزيارة عاجلة للاطلاع على «المواقف»، قبل أن تضطر سيارتنا إلى مواصلة الحياة بلا مدافن لائقة.
وتفضّلوا بقبول فائق «الموقف» المخالف.
أنهى «كاف» رسالته، أغلق كشكوله، تنفس الصعداء مفعماً براحة عظيمة فقد أدى واجبه الوطني وهو تائه في «باركينغ».
عاد «كاف» إلى فندقه منتشياً بإنجازه، قرر الخلود إلى النوم، رأى في منامه مخلوقات دلمونية تخرج من البحر فجراً:
أسماك بوجوه بشر، لآلئ تتكلم بلغة عتيقة، ومدن تُبنى ثم لا تُمحى، و«مواقف» مرسومة بعناية ضمن فضاءات مصونة بالقانون لا «مواقف» عشوائية تُرسم عبر الرعب والارتجال، ورأى حراساً من حجر يقودون أصحاب «المواقف» إلى «السراديب».
استيقظ «كاف» مذعوراً، ودوّن في كشكوله:
«ربما كانت دلمون تعرف منذ البداية أين تضع الأشياء كي لا تضيع».
********
* تحفة معمارية من مشروع مسار اللؤلؤ المدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو، من تصميم المعماري كريستيان كيريز.
* كاتب ومخرج مسرحي