يُثير فشل فرقة دلتا في الصومال، وما تلاه من مواقف أميركية متشددة تجاه فنزويلا، سؤالاً جوهرياً في السياسة الدولية: هل كان التدخل سيُواجَه بالرفض ذاته لو لم يكن أميركياً؟ أم أن المشكلة الحقيقية تكمن في طبيعة التدخل الأميركي نفسه، بوصفه تدخلاً قائماً على الهيمنة والاستخفاف بالقانون الدولي أكثر من كونه جهداً منظماً لحفظ الاستقرار؟
دلتا فورس والصومال- أزمة ثقة لا أزمة قوة: في عام 1993 دخلت Delta Force إلى الصومال وهي تحمل صورة القوة التي لا تُهزم. لكن ما جرى في مقديشو كشف عن أن المشكلة لم تكن في القدرات العسكرية، بل في غياب الشرعية السياسية والقبول المحلي. لو كان التدخل أوسع، متعدد الأطراف، وتحت مظلة دولية حقيقية، لربما حظي بتفهم نسبي. لكن الولايات المتحدة دخلت كقوة مهيمنة، لا كشريك، فتحوَّلت العملية إلى صِدامٍ مباشر مع المجتمع المحلي، وانتهت بانكسار الهيبة الأميركية أمام العالم. هنا يتضح أن المجتمعات المُنهكة قد تقبل التدخل، لكنها ترفض الوصاية وفرض الإرادة.
التدخل غير الأميركي- قبول مشروط لا مطلق: التاريخ الحديث يُظهر أن التدخلات غير الأميركية، سواء كانت أممية أو إقليمية، قد تُقابَل بقدرٍ أقل من العداء، ليس لأنها مثالية، بل لأنها أقل ارتباطاً بإرث الهيمنة العالمية. التدخل يُصبح قابلاً للنقاش حين يُقدَّم كحفظ سلام، أو وساطة، أو دعم إنساني، لا كمشروع لإعادة تشكيل الأنظمة السياسية وفق مصالح دولة واحدة. المشكلة مع واشنطن أنها كثيراً ما تتصرَّف كأنها فوق القواعد، ثم تطالب الآخرين باحترام نظام دولي هي نفسها أول مَنْ ينتهكه.
ومع وصول دونالد ترامب إلى الحُكم، لم يعد هذا التناقض خافياً. ترامب حوَّل السياسة الخارجية إلى منصة استعراض: تهديدات علنية، عقوبات بلا أفق سياسي، واستخفاف صريح بالقانون الدولي. بلغ هذا السلوك ذروته في الخطاب المتعلق بفنزويلا، حين جرى الحديث عن اعتقال رئيس دولة، وكأن العالم بلا مؤسسات ولا سيادة. هذا الخطاب أفقد الولايات المتحدة ما تبقَّى من أهليتها الأخلاقية للحديث باسم «النظام العام العالمي».
فنزويلا- التمرُّد نتيجة فقدان الشرعية في فنزويلا: لم تؤدِّ العقوبات ولا التهديدات إلى إسقاط النظام، بل زادت من تصلبه. السبب ليس قوة النظام بقدر ما هو ضعف الخطاب الأميركي. حين يأتي الضغط من دولة تُظهر استهتاراً بالقواعد، يتحوَّل الرفض إلى موقفٍ وطني، حتى لدى معارضي السُّلطة. وهنا يتكرَّر درس الصومال بصيغة سياسية: حين تغيب الشرعية، تفشل القوة، مهما تنوَّعت أدواتها.
الخلاصة- المشكلة في العقلية لا في الجغرافيا: العالم لا يرفض التدخل لأنه يكره المساعدة، بل لأنه يرفض الهيمنة المقنَّعة. لو كان التدخل غير أميركي، منضبطاً بالقانون، ومتعدد الأطراف، لكان قابلاً للنقاش وربما القبول. أما التدخل الأميركي بصيغته المتعالية، فيُقابَل بالرفض، لأنه يُجسِّد ازدواجية المعايير.
النظام العام العالمي لا يحتاج إلى قوةٍ تتصرَّف كشرطي، بل إلى شركاء يحترمون القواعد قبل المطالبة بتطبيقها.