دخلت الاحتجاجات والاضطرابات التي تشهدها إيران منذ أسبوعين منعطفاً خطيراً من الغليان، عقب تظاهرات حاشدة ضد نظام الجمهورية الإسلامية في عدة مدن رئيسية، ليل الخميس ـ الجمعة، والجمعة ـ السبت، بينها طهران العاصمة، ومشهد، وقم، وأصفهان، وكرمنشاه، وهمدان، وتبريز، وسط تقارير عن ارتفاع عدد القتلى جراء الصدامات المصاحبة لها إلى 65.

وواكب ذلك تصاعد التحذيرات من استعداد السلطات الأمنية لحملة قمع دامية، في ظل قطع واسع للإنترنت والاتصالات الأرضية منذ الخميس الماضي، لا سيما بعد إعلان المدعي العام محمد موحدي آزاد أن أي شخص يشارك في الاحتجاجات سوف يعتبر «عدواً لله»، وهي تهمة عقوبتها الإعدام، في وقت اتهمت طهران كلاً من إسرائيل والولايات المتحدة بتحريك مثيري الشغب.

ومع اتساع رقعة التظاهرات، دعا نجل شاه إيران وولي عهدها السابق رضا بهلوي، المتظاهرين إلى السيطرة على مراكز المدن، مؤكداً استعداده «للعودة إلى الوطن في يوم قريب جداً».

Ad

في المقابل، اعتبر أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني أن بلاده في حالة حرب، واصفاً ما قال إنه «تحرّك محتجين لاقتحام مراكز حكومية وعسكرية للحصول على الأسلحة» بأنه محاولة واضحة لإشعال «حرب أهلية».

وفي تلويح بالنزول الى الشارع لاستعادة الأمن، أكد الجيش الإيراني أنه «سيحمي المصالح الوطنية والبنى التحتية الاستراتيجية والممتلكات العامة»، في وقت شدد «الحرس الثوري» على أن الحفاظ على «مكتسبات الثورة خط أحمر».   

وفي تطور آخر، أفادت وكالات إيرانية بأن قوات الأمن أوقفت معارضين أكراداً مسلحين أثناء محاولتهم دخول البلاد من العراق. وكانت «الجريدة» قد انفردت قبل أيام بالكشف عن تفويض المجلس الأعلى للأمن القومي القوات المسلحة بالتحرك داخل دول الجوار لمواجهة مجموعات معارضة مسلحة من قوميات غير فارسية تنوي التسلل إلى إيران. 

في الموازاة، صعّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب تهديداته بالتدخل، وقال من البيت الأبيض: «أكرر تحذيري للقادة الإيرانيين، من الأفضل ألا تبدأوا بإطلاق النار، لأننا سنبدأ بإطلاق النار أيضاً»، لكنه أضاف أن ذلك «لا يعني إرسال قوات برية أميركية بل يعني توجيه ضربة قوية جداً لهم في مقتل».

وأضاف ترامب أن «إيران في ورطة كبيرة. يبدو لي أن الشعب بصدد السيطرة على مدن معينة، وهو أمر لم يكن أحد يعتقد أنه ممكن قبل أسابيع قليلة فقط».

وفي ظل تصاعد حدة التوتر، زار وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي طهران، وأجرى مباحثات مع نظيره عباس عراقجي، الذي اتهم في وقت سابق إدارة ترامب بمحاولة تنفيذ مخطط مشابه لما تم في فنزويلا.

يأتي ذلك وسط ترقب لنتائج المهمة الدبلوماسية للوزير العماني، الذي تتوسط بلاده بشكل تاريخي بين الأميركيين والإيرانيين وإمكانية تحقيقها لاختراق باتجاه تهدئة تقنع إيران بقبول الشروط الأميركية لإبرام اتفاق بشأن برنامجها النووي وتسلحها الباليستي. 

وفي تفاصيل الخبر:

عشية إتمام حركة الاحتجاج التي اندلعت على خلفية تدهور الأوضاع المعيشية، وانهيار سعر صرف العملة المحلية أمام الدولار، أسبوعها الثاني على التوالي، شهدت مدن إيرانية كبرى ليل الجمعة ـ السبت تظاهرات حاشدة ضد نظام الجمهورية الإسلامية في طهران ومشهد وقم وهمدان وتبريز بوناك.

وأمس، أعلنت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان الإيرانية المستقلة (هرانا) ارتفاع عدد قتلى الاحتجاجات إلى 65 شخصاً، بينهم 50 متظاهراً، إضافة إلى 15 عنصراً من قوات الأمن، مشيرة إلى توقيف ألفين و311 متظاهراً في عموم البلاد.

وبحسب تقرير «هرانا»، التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها، فإن الاضطرابات امتدت إلى كل محافظات إيران الـ31، فيما حذرت عدة جهات معارضة من احتمال استعداد قوات الأمن لارتكاب مجزرة بحق المحتجين في ظل القطع الواسع للإنترنت والاتصالات الأرضية الذي تشهده البلاد.

وجاء خروج التظاهرات الأخيرة بعد احتجاجات ضخمة الخميس، ورغم استمرار حجب الإنترنت الشامل الذي تفرضه السلطات منذ 3 أيام.

وحذّر المدعي العام في إيران، محمد آزاد، من أن أي شخص يشارك في الاحتجاجات سوف يعتبر «عدواً لله»، وهي تهمة عقوبتها الإعدام بموجب القانون الإيراني، فيما أعلنت قوات الأمن الإيرانية أنها أوقفت مجموعة كردية مسلحة كانت تحاول التسلل من العراق.

وكانت «الجريدة» قد انفردت قبل أيام بنشر قرار غير معلن للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني بتفويض القوات المسلحة العمل داخل دول الجوار لمنع تسلل مجموعات مسلحة من قوميات غير فارسية.

وأمس، دعا محمد رضا بهلوي، نجل الشاه، الذي أسقطته ثورة عام 1979، المقيم حالياً في الولايات المتحدة، المتظاهرين إلى «الاستعداد للسيطرة» على مراكز المدن، بعد تسجيل استجابة ميدانية لافتة لدعوته إلى الاحتجاج يوم الخميس، خلافاً لدعوات سابقة أطلقها للاحتجاج ضد النظام. 

وأشاد بهلوي، في رسالة مصورة عبر منصة إكس، بـ «الحشد الرائع» الذي شارك في تظاهرات الجمعة، وحضّ الإيرانيين على تنظيم احتجاجات أكبر يومي السبت والأحد، مؤكداً أنه يستعد «للعودة إلى الوطن» في يوم يعتقد أنه «قريب جداً».

جانب من الاحتجاجات

تصدٍ عسكري

وفي وقت يبدو أن موجة التظاهرات آخذة في التمدد والاتساع، حذر ‌«الحرس الثوري» ‍من أن الحفاظ ‌على مكتسبات ثورة 1979 وأمن ‌البلاد «‍خط أحمر»، كما أصدر الجيش بياناً أكد فيه أن أي مؤامرة تدبرها إسرائيل وأميركا سيتم التصدي لها بصرامة، داعياً الإيرانيين إلى الحفاظ على الوحدة وإفشال مخططات الفتنة.

وفي تلويح بالنزول إلى الشارع لحماية مؤسسات الدولة، تابع بيان الجيش أن «الجيش الإيراني وتحت قيادة خامنئي سيحمي بقوة المصالح الوطنية والبنى التحتية الاستراتيجية للبلاد والممتلكات العامة، وسيتصدى بصرامة لأي مؤامرة».

حالة حرب

ومع احتدام الأزمة الداخلية وشدة الضغوط الخارجية، رأى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، علي لاريجاني، أن بلده تعيش في خضم حرب. وفي إشارة على ما يبدو إلى تسريبات عن دعوة عناصر متشددة لتوجيه ضربة استباقية إلى إسرائيل التي يتهمونها بإثارة الاضطرابات الداخلية، اعتبر لاريجاني أنه ليس من المنطقي إثارة أزمة جديدة في مثل هذه الظروف. 

وقال إن التوجه السريع من متظاهرين نحو المراكز العسكرية والأمنية للحصول على الأسلحة يعد مؤشراً على محاولات لإشعال حرب أهلية، مؤكداً أن المؤسسات الأمنية والقضائية ستتعامل من دون تهاون مع الجماعات المسلحة التي تهدد أرواح المواطنين. وأقر بوجود مشكلات اقتصادية حقيقية، لكنه شدد على أن الحل لا يكون عبر الفوضى وانعدام الأمن.

وأمس الأول، ذكر السفير الإيراني لدى الأمم المتحدة، أمير إيرواني، أن واشنطن تتحمل المسؤولية عن تحوّل الاحتجاجات السلمية في إيران إلى «أعمال عنف هدامة وتخريبية واسعة النطاق»، متهماً واشنطن بالتدخل بالتنسيق مع النظام الإسرائيلي في الشؤون الداخلية لبلده، ومن خلال «التهديدات والتحريض والتشجيع المتعمد على زعزعة الاستقرار والعنف».

في موازاة ذلك، اتهم وزير الخارجية، عباس عراقجي، الولايات المتحدة بأنها كانت تعتزم تنفيذ المخطط ذاته الذي شهدته فنزويلا في إيران خلال حرب الـ 12 يوماً، مؤكداً أنها «لم تحقق مآربها». 

وفي إشارة إلى الضغوط التي تتعرض لها بلده لإبرام اتفاق يحرمها من تخصيب اليورانيوم على أراضيها ومن تطوير صواريخها البالستية قال عراقجي: «نحن مستعدون للتوصل إلى اتفاق عادل ومشرّف يقوم على الاحترام المتبادل، لكننا لا نملك اليقين بشأن صدق نوايا الأميركيين في هذا التوجه».

وأتت تلك الاتهامات قبل استقبال عراقجي نظيره العماني بدر البوسعيدي، في طهران، وسط ترقب لنتائج المباحثات، حيث تؤدي مسقط تاريخياً دور الوساطة بين الإيرانيين والأميركيين.

ترامب وإسرائيل

من جانبه، جدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب تحذيره للسلطات الإيرانية من تلقي ضربات عسكرية إذا أقدمت على قمع المتظاهرين، وقال إن «إيران في ورطة كبيرة. يبدو لي أن الشعب بصدد السيطرة على مدن معيّنة، وهو أمر لم يكن أحد يعتقد أنه ممكن قبل أسابيع قليلة فقط».

ورداً على سؤال بشأن رسالته إلى قادة إيران، قال ترامب: «من الأفضل ألا تبدأوا بإطلاق النار، لأننا سنبدأ بإطلاق النار أيضاً»، وأضاف: «إذا بدأوا بقتل الناس كما فعلوا في الماضي فسنتدخل»، مشدداً على أن التدخل «لا يعني إرسال قوات برية، بل يعني ضربهم بقوة شديدة في موضع الألم».

في موازاة ذلك، عبّر وزير الخارجية ماركو روبيو عن دعم بلده للشعب الإيراني، فيما أعلنت منصة إكس أنها تدعم الشعب الإيراني، وقامت باستبدال العلم الإيراني الحالي بعلم البلاد خلال عهد الشاه.

وفي وقت ذكرت «وول ستريت جورنال» أن إسرائيل تدرس خوض جولة جديدة من الاشتباك مع إيران و«حزب الله»، رجحت تقديرات عبرية تفاقم الاحتجاجات التي شارك فيها أكثر من مليون شخص في الجمهورية الإسلامية وتهديدها للنظام. ولم تستبعد تلك التقديرات أن هناك من يدير الاحتجاجات من خلف الكواليس على نحو يجعلها تنتشر وتتنسق بين مختلف المناطق.

نصيحة وتنديد

ووسط ترقّب إقليمي ودولي للأحداث واحتمالات تطورها، نصح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، إيران بالدخول في «مصالحة وتعاون حقيقيين» مع دول المنطقة، مشيراً إلى أن الاحتجاجات المعيشية يجري التلاعب بها من قبل «الموساد» وخصوم طهران.

وأكد فيدان أنه يجب على سلطات الجمهورية الإسلامية أن «تفهم هذه الحقائق، ليس صحيحاً أن العالم كله سيلتفت إلى منظوركم وحدكم، لكل طرف حقائقه، ويجب أن نتمكن من الالتقاء في نقطة مشتركة بين هذه الحقائق لإبرام اتفاق، ويجب ألا يتضمن شروطاً تحرم إيران من حقوقها المشروعة». 

وأمس الأول، ​ندد قادة فرنسا وبريطانيا وألمانيا، في ‌بيان مشترك، بقتل متظاهرين في إيران، وحثوا السلطات على ضبط النفس وعدم اللجوء إلى العنف.