قبل أيام شاهدت «بودكاست» يمنياً شهيراً، استُضيف فيه أحد المُهاجرين في ألمانيا، وهو يتكلَّم عن إمكانية استفادة اليمن من برامج الذكاء الاصطناعي؛ طبعاً البلد الذي يعيش حرباً أهليةً مستمرةً منذ أكثر من عقد، البلد الذي مُعدَّل الأُمية فيه يبلغ أكثر من 76 في المئة من سُكانه، البلد الذي يتذيل قوائم المؤشـرات التنموية الدولية... هذا إذا ذُكِر، فالمعروف أن أجهزة الإحصاء اليمنية تكاد تكون مُعطَّلة أو مشلولة على أقل تقدير، بفضل الوضع الاستثنائي الذي يعيشه.

لأُفاجأ قبل فترة بإعلان محافظ مأرب تطبيق التحوُّل الرقمي في أعمال المحافظة- التي كانت عاصمةً لمملكة سبأ القديمة الذائعة الصِّيت، وتحوي معالم ومواقع أثرية وحضارية رُبما لا توجد في أي بلدٍ آخر، والمجال هنا لا يتَّسع لشرح التاريخ المجيد، بل لذكر الحاضر العتيد.

وبالطَّبع أنا لا أستقلُّ من قُدراتٍ لو أُريد لها أن تنطلق لحققت الكثير، لكنني ضد استهلاك السياسة لكل مفردات الحياة. فمن لا يزال يتذكَّر سوابق في هذا المجال، فإن أحدهم قال: «سنولِّد الكهرباء بالطاقة النووية» في مهرجانٍ انتخابيٍّ لغرض الدعاية، وآخر نَاحَ وصَاح: «لدينا علاج الفقر!»، فهل للفقر علاج؟! رُبما في مخيلته فقط! كما أنني لستُ في مقام القول إن هذا شـيء مستحيل ومستبعد، لو توافرت الإرادة والإدارة، لكن للأشياء مسمياتها، والشَّـيء بالشَّـيء يُذكر؛ فما العناصـر المتوافرة التي تشجِّع على التحوُّل الرقمي، واستخدام برامج الذكاء الاصطناعي، والخوارزميات، وعلم البيانات، والتَّعلم العميق... وغيرها من عناصـر الثورة الصناعية الرابعة في هذه المحافظة، التي تكاد تكون شبه خالية؛ سُكاناً ومُقومات وأساسيات نهضة؟ فوجود السُّكان فيها يأتي على شكل قبائل مسلَّحة، يحمل الفرد منها السِّلاح أكثر مما يحمل اللابتوب، ويذهب الطفل فيها إلى أماكن الصيد أو النَّصع أكثر من المدرسة، ويستخدم شتى أنواع الأسلحة الخفيفة والمتوسطة؛ من رشاشات، وقنابل، وقاذفات وألغام... إلخ، أكثر مما يستخدم القلم والمسطرة، فما بالكم بالفرشاة والأدوات الموسيقية وغيرها! كما أن المرأة في هذه المحافظة لها نفس الوضع، وربما أنكى وأشد جُوراً من وضع الرَّجل، بل إن هذه المحافظة التي تُذكر في وسائل الإعلام الدُّولية بصورةٍ سوداوية لحضور شتى التناقضات فيها؛ من صـراعات قبليةٍ، أو حضور تنظيمات إرهابية، كـ «القاعدة» وغيره، وإن كانت بالمُجمل العام قد شهدت في الآونة الأخيرة تطوَّراً نوعاً ما في مجال البنية التحتية من طرقات وخدمات، إلا أنها لا تزال بعيدةً كل البُعد عن عملية التحوُّل الرقمي، والذي يكاد يكون موجوداً على استحياءٍ بسيطٍ في بعض المؤسسات الاقتصادية فقط، فيما بالغالب العام لا يزال الرُّوتين الإداري المُمل هو الحاكم والمُتحكم في كل أعمال وتوجهات الدولة؛ سواءً في صنعاء أو عدن، وهذه فلسفة جديدة في عالم اليمن اليوم.

Ad

وفي الأخير، نحمل الأمل أن يكون الغد في اليمن أفضل من اليوم، وأن يكون المستقبل أفضل من الحاضر بكثير، وأن يتجه اليمنيون للمساهمة في الرَّكب الحضاري الذي يشهده العالم... وهذا ليس ببعيد؛ إذا انتهت الحرب، وتوافرت الإرادة والإدارة المُحنَّكة، ليس بمحافظة مأرب فحسب، بل في عموم اليمن.