بعد تراجعه عن شنّ ضربة ثانية لفنزويلا وتقديمه ضمانات أمنية طويلة المدة للاستثمار فيها، صّعد الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضغوطه على حلفائه الأوروبيين وشركائه في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، مع توجيهه تحذيراً جدياً من أنه سيتحرك للسيطرة على جزيرة غرينلاند، التابعة لمملكة الدنمارك، وضمّها إلى الولايات المتحدة، سواء بالطريقة السهلة أو الصعبة.
وقال ترامب، على هامش فعالية رسمية بالبيت الأبيض مساء أمس : «سنفعل شيئاً في غرينلاند، سواء أعجبهم ذلك أم لا، وأود أن أبرم صفقة بالطريقة السهلة، ولكن إذا لم نفعلها بالطريقة السهلة فسنفعلها بالطريقة الصعبة».
وبرّر ترامب، إصراره على السيطرة على غرينلاند، التي تُعد أكبر جزر العالم، وتزيد مساحتها على ألمانيا بـ 6 مرات، بسعيه لحمايتها من نفوذ الصين وروسيا المتزايد في القطب الشمالي.
وقال: «إذا نظرتم إلى ما يحدث خارج غرينلاند الآن، فهناك مدمرات صينية وروسية حولها، إضافة إلى غواصات روسية في كل مكان. ولن نسمح لروسيا أو الصين باحتلال الجزيرة، وهذا ما سيفعلونه إذا لم نتحرك»، مضيفاً: «لن نسمح لروسيا أو الصين بأن تكونا جارتين لنا».
وكثّفت روسيا والصين نشاطهما العسكري في المنطقة خلال السنوات الأخيرة، لكن لم يطالب أي منهما بالسيادة على هذه الجزيرة الجليدية الشاسعة.
وشكك ترامب في ملكية الدنمارك للجزيرة، التي تغطي الثلوج أربعة أخماس مساحتها، واستخف بمخاوفها، معتبراً أن «رسو سفينة دنماركية هناك قبل 500 عام لا يعني أنهم يملكون الأرض».
وتابع: «أنا متأكد من أن لدينا أيضاً العديد من السفن التي ذهبت إلى غرينلاند، وعندما نمتلكها سندافع عنها، ولا يمكن ذلك بناء عن عقود الإيجار»، موضحاً أن الوجود العسكري في الجزيرة بموجب اتفاقية عام 1951 ليس كافياً لضمان الدفاع عنها.
وأثارت غرينلاند التي يسكنها نحو 57 ألف نسمة اهتماماً دولياً خلال السنوات الأخيرة، بسبب مواردها الطبيعية الهائلة، بما في ذلك المعادن النادرة، كما تشير تقديرات إلى أنها قد تمتلك احتياطيات ضخمة من النفط والغاز.
ورداً على تهديدات ترامب، أصدر قادة الأحزاب الخمسة في برلمان غرينلاند بياناً مشتركاً ليل الجمعة - السبت، أوضحوا فيه: «لا نريد أن نكون أميركيين، لا نريد أن نكون دنماركيين، نريد أن نكون غرينلانديين».
وشددوا على أنه «لا يمكن لأي دولة أخرى أن تتدخل في الجزيرة، وأنهم سيقررون مستقبلهم ومستقبل بلدهم دون ضغط لاتخاذ قرار متسرع ودون مماطلة».
ودعت الأحزاب الولايات المتحدة إلى إنهاء «احتقارها لبلادنا»، وأكدت أن «مستقبل غرينلاند يجب أن يقرره الشعب الغرينلاندي».
ومع مساعي الدول الأوروبية لصياغة ردّ منسق على ترامب، تتجه الأنظار لاجتماع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الوشيك مع نظيره الدنماركي، لارس راسموسن، وممثلين عن غرينلاند، بعد لقاء جمع مساعدي البيت الأبيض مع مبعوثين من الدنمارك وغرينلاند.
وبعد تلويح كوبنهاغن بأن ضمّ الجزيرة يعني نهاية حلف ناتو، صرح قائد قوات «ناتو» في أوروبا، الجنرال الأميركي أليكسوس غرينكويتش، أمس ، بأن «ناتو» بعيد كل البعد عن «الأزمة في الوقت الراهن»، موضحاً أنه «لا تأثير عملياً على المستوى العسكري، والحلف مستعد للدفاع عن كل شبر من أراضيه حتى اليوم».
وتجد الدنمارك نفسها في موقف معقّد، فهي تسعى لتعبئة الدعم لحماية إقليم يرغب سكانه في الاستقلال، والذي تريد أكبر أحزاب المعارضة فيه الآن تجاوز كوبنهاغن والتفاوض مباشرة مع واشنطن.
وقال أستاذ العلوم السياسية في جامعة كوبنهاغن، ميكيل راسموسن، لـ «رويترز»: «تواجه الدنمارك خطر استنزاف رأسمالها في السياسة الخارجية لضمان غرينلاند، لتشاهدها تغادر بعدها».
لا يمكن للدنمارك السماح لغرينلاند بالانفصال دون أن تفقد أهميتها الجيوسياسية في الإقليم القطبي، الذي يقع استراتيجياً بين أوروبا وأميركا الشمالية، ويعد موقعاً حاسماً لنظام الدفاع الصاروخي البالستي الأميركي.