عبر ضجيج العصر وزئير المدنية وخفقان شاشاتها اللامتناهي، هل ما زلنا نسمع حقاً؟ أم صرنا نلتقط الأصوات كإشاراتٍ عابرة، تلامس السمع ولا تعانق الوجدان؟ ولأن كل شيءٍ قابل لإعادة التشغيل حتى نحن، فإن محطتنا هذا الأسبوع في «ريستارت للحياة» تُشرع أبوابَ التأمل أمام مهارةٍ إنسانيةٍ كادت تنزاح إلى الهامش، كُتب عليها التهميش في زمن الضجيج، بينما هي في جوهرها عماد الوجود المشترك: الذكاء الاستماعي.

ليس مجرد إنصاتٍ سلبي، بل هو فن الوجود الكامل مع الآخر، فن يصهر الصوت والصمت في بوتقة الوعي، ويحول السمع إلى بصيرةٍ ترى ما وراء الكلمات. هو أن تُصبح الأذن بوابة روح، تتلقى الهمس قبل الجهر، وتصغي إلى الصمت الذي يسبق النطق، فتقرأ المعنى قبل اكتمال العبارة. ذكاء يجعل من السماع إدراكاً، ومن الإدراك تفهماً، ومن التفهم حباً خالصاً، يرقى بالعلاقة من مستوى التبادل إلى أفق التآلف الإنساني العميق.

ما نعيشه اليوم هو تضخم في التعبير يقابله ضمور في الفهم. لقد دمرت سرعة الحياة المعاصرة هذا الهيكل الرقيق للاستماع العميق. صرنا في حواراتنا كمن يرمي أحجار الكلمات في بحيرة الآخر، بانتظار أن تعود إلينا أصداء موافقة لا تموجات فهم. التكنولوجيا، بكل بريقها، عمقت هذا الخلل، اختصرت الحوار في جملة، والمشاعر في رمز، والاختلاف في صراع. ومع الوقت، صار الاستماع فعلاً ثقيلاً في زمن السرعة، رغم أنه الطريق الأقصر إلى الإنسان. علمتنا الرد السريع، لا الاستماع البطيء. وسائل التواصل ربطت ألسنتنا وفككت آذاننا. صرنا نتواجد جسدياً بينما تهاجر أرواحنا إلى هواتفنا، تاركين كلمات من يحبوننا تتدلى في فراغ اللامبالاة.

Ad

تأثير الذكاء الاستماعي يتغلغل في نسيج الوجود الفردي والجمعي. على مستوى الفرد، هو الحصن من الوحدة، إذ يشعر الإنسان بأن كيانه مُستقبل لا مُتجاهل. في الأسرة، هي العُروة الوثقى التي تلم الشتات العاطفي تحت سقفٍ واحد. وفي العمل، هو المُحول الذي ينقل الاجتماعات من ساحات صراع إلى فضاءات إبداع. وعلى مستوى المجتمع، هو اللسان الذي يترجم اختلاف الآراء إلى تناغم حضاري، ويحول التعددية من مصدر تهديد إلى منبع ثراء.

إذن، فإعادة التشغيل هنا ليست ترفاً فكرياً، بل استحقاقاً وجودياً يعادل حاجتنا إلى الهواء. إنها دعوةٌ صادقةٌ إلى «الصمت النشط»: ذلك الفعل الواعي الذي لا يعني انسحاب الصوت، بل انزياح الأنا. أن تخلع عباءة المتكلم، وتُلقي بها بعيداً، لترتدي رداءَ المتلقي المكرس الذي يقدم مساحة وجوده هديةً لمن يتحدث. أن تدخل محفل الحوار وقد جُردت من كل قناعة مسبقة، كصفحة بيضاء تستعد لاستقبال الحكمة من أول سطر. أن تستمعَ لا لتُجيب، بل لتنفتح. لا لتحكم، بل لتفهم. لا لتحتوي الكلمات وحدها، بل لتُحيط بالإنسان خلفها.

فلنضغط هذا الأسبوع، زرّ «ريستارت» لا لنرتد إلى الوراء، بل لنحول الأذن إلى قلبٍ يُصغي. أن نُنصت بكامل كياننا، لا بأطراف الانتباه. عندها، نصنع إنساناً أكثر اكتمالاً، وعلاقاتٍ أشد عمقاً، ومجتمعاً أرق حساً وأصدق تواصلاً. لتغدو الأذن قلباً يحتضن المعنى، ويغدو القلب بوصلةً للروح، عندها فقط، لن تضيع همسة، ولن يغيب ألم عن سمع القلوب، ولن يضطرب معنى في زحام العالم.