ذات يوم كنت أتفكر في تراثنا الغنائي، فهناك من الشعر ما تغنى بفن الصوت في الكويت والخليج، فمن منا لا يعرف «أم عمرو» في هذه الأبيات الشهيرة:
يا أم عمرو جزاكِ الله مكرمة ردي عليّ فؤادي أينما كانا
لا تأخذين فؤادي تلعبين به فكيف يلعب بالإنسان إنسانا
هذه الأبيات مما جاء في نوادر وفكاهات ما رواه الجاحظ، حيث قد عزم على تأليف كتاب جمع فيه نوادر معلمي الكتاب، وهذا فقط من وجهة نظر الجاحظ كما جاء في زمانه وليس من وجهة نظرنا، ثم قال: ثم رجعت عن ذلك وعزمت على تقطيع ذلك. ثم ذكر أنه دخل ذات يوم إحدى المدن فإذا فيها معلم ذو هيئة ولباس حسن، فيقول: ناقشته في «العربية» فإذا هو ضليع، وباحثته في القرآن فإذا هو ماهر، ثم فاتحته في الفقه والنحو وعلم المعقول وأشعار العرب، فإذا هو كامل الأدب. ويقول بعدها: ذلك مما يقوي عزمي على تقطيع الكتاب. ثم يذكر أنه في ذات يوم عزم لزيارته في مدرسته (الكُتاب) فإذا هي قد أغلقت، فسأل عن سبب ذلك، فقيل له: إنه مات له ميت، فذهب الجاحظ إلى بيته ليعزيه فأدخلته جاريته إليه فإذا هو حزين حزناً شديداً، يقول الجاحظ: فقلت له: هذا الذي توفي لك ولدك فقال: لا. قال له: فوالدك، قال: لا. فقال له: أخالك. قال: لا. قال: فزوجتك. فقال: لا. ثم قال له الجاحظ: فمن هو منك. فقال: حبيبتي. فأسرها الجاحظ محدثاً نفسه: هذه أول المناحس! فقال له الجاحظ: النساء كثير وستجد غيرها. فرد على الجاحظ قائلاً: أتظن أني رأيتها. يقول الجاحظ محدثاً نفسه: وهذه منحسة ثانية! فقال له الجاحظ: وكيف عشقت من لم تر؟ فرد عليه قائلاً: اعلم أني كنت جالساً في هذا المكان إذ رأيت رجلاً مر من هنا وأنشد هذه الأبيات: يا أم عمرو جزاك الله مكرمة (إلى آخر الأبيات)، فقلت في نفسي: لولا أن أم عمرو هذه ما في الدنيا أحسن منها ما قيل فيها هذا الشعر فعشقتها.
ثم قال: مر يومان فإذا بذات الرجل الذي أنشد سابقاً قد مر في نفس المكان وأنشد: لقد ذهب الحمار بأم عمرو فلا رجعت ولا رجع الحمار. فعلمت أنها ماتت فحزنت عليها وأغلقت الكتاب وجلست في الدار. فرد عليه الجاحظ بأنه قد ألف وجمع عن نوادر الكتاتيب وهو قد عزم على أن يقطع هذا الكتاب أما الآن فقد تراجع عن تقطيعه واشتد عزمه على أن يصدره، وأول ما أبدأ... أبدأ بك إن شاء الله تعالى.