تخطو دولة الكويت خطوات حثيثة نحو حقبة جديدة من الإدارة الرقمية، إذ لم يعد تحديث بيانات المباني والشوارع مجرد إجراء إداري روتيني، بل استحال استراتيجية وطنية كبرى تقع في قلب رؤية «كويت 2035». يهدف مشروع «تحديث بيانات نظم المعلومات الجغرافية عبر الذكاء الاصطناعي» إلى بناء حكومة تفاعلية رشيقة، تطوي صفحة البيروقراطية الورقية لتُدشن عصر «البيانات الحيّة».

أولا: التحليل العلمي للمشروع (المنهجية والتقنيات): من الناحية العلمية، ينقل المشروعُ آلية العمل من «الرصد الساكن» إلى «الاستشعار الديناميكي» عبر توظيف تقنيتين محوريتين، الرؤية الحاسوبية: وهي قدرة الأنظمة التقنية على فهم وتحليل الصور الجوية والفضائية، إذ تعمل الخوارزميات على تمشيط المساحات الجغرافية لرصد التغيرات بدقة فائقة تتجاوز 95 بالمئة.

* خوارزميات كشف التغيرات العميق: تضطلع هذه التقنية بمقارنة الصور التاريخية بالصور الحديثة آنياً، مما يُتيح رصد التعديات وتحديدها خلال ثوانٍ معدودة، وهو إجراء كان يستغرق شهوراً من المسح الميداني التقليدي.

Ad

ثانياً: سياسة خصوصية وحماية البيانات (الإطار الأخلاقي والقانوني): تزامناً مع استخدام تقنيات المسح الجوي، تبرز ضرورة قصوى لحماية خصوصية الأفراد والممتلكات. ولضمان ذلك، يستند المشروع إلى سياسة خصوصية صارمة تشمل: تشفير البيانات المكانية: تأمين قنوات نقل البيانات بين الأقمار الصناعية والخوادم الحكومية ببروتوكولات تشفير متقدمة وإخفاء الهوية الرقمية: برمجة الخوارزميات لتعمية الوجوه ولوحات المركبات في الصور الجوية آلياً قبل تخزينها، منعاً لأي انتهاك للخصوصية الشخصية.

وتحديد صلاحيات الوصول: تطبيق بروتوكول «الوصول على قدر الحاجة»، لضمان عدم اطلاع الجهات إلا على البيانات التي تقع ضمن اختصاصها القانوني، وأخيرا السيادة السيبرانية: تخزين الخرائط ومعلومات أملاك الدولة كافة داخل مراكز بيانات وطنية مشفّرة، وحظر معالجتها في سحابات خارج الحدود الجغرافية للدولة.

ثالثاً: الخريطة التنفيذية (خطة العمل المقترحة): لتحويل هذه الرؤية إلى واقع ملموس، تتبنّى الجهات الرسمية خريطة طريق واضحة المعالم، مرحلة الحوكمة: توحيد المعايير الجغرافية بين الجهات الحكومية كافة لضمان لغة بيانات مشتركة. وتأمين التدفق المعلوماتي: التعاقد لتوفير تدفق دوري للصور الفضائية عالية الدقة، وتجهيز السحابة الحكومية الآمنة.

والتطوير البرمجي: تدريب الخوارزميات على الأنماط المعمارية المحلية لتمييز التعديات بدقة.

والأتمتة الإجرائية: ربط رصد المخالفات بآلية تفتيش ميدانية ذكية تعتمد على الإحداثيات الرقمية المباشرة.

والاستدامة البشرية: إعادة تأهيل الكوادر الوطنية لتصبح «مدققة بيانات ذكية»، مما يرفع كفاءتها المهنية في العصر الرقمي.

رابعاً: التوصيات لضمان النجاح الاستراتيجي: تبنّي مفهوم «التوأم الرقمي»، بناء نموذج ثلاثي الأبعاد للكويت يربط بيانات المرور، والكهرباء، والماء في منصة اتحادية واحدة.

التشريع الرقمي: صياغة قوانين تعتمد مخرجات الذكاء الاصطناعي كأدلة قانونية معتبرة في الفصل في مخالفات التعديات.

المشاركة المجتمعية: تمكين المواطنين من تحديث بيانات عقاراتهم عبر تطبيقات ذكية، لتعزيز دقة البيانات وتكريس المسؤولية الوطنية.

وختاماً، إن استخدام الذكاء الاصطناعي في إدارة المدن ليس ترفاً تقنياً، بل هو الأداة الأنجع لحماية أملاك الدولة وتطوير البنية التحتية. 

إن نجاح هذا المشروع سيفضي بالضرورة إلى توفير ملايين الدنانير من الهدر المالي، مع صيانة خصوصية المواطنين، وصولاً إلى بيئة عمرانية منظمة تليق بطموحات كويت المستقبل.