في السابق، كانت الهوية الكويتية مقرونة بمختلف الشخصيات البارزة من رجالات الكويت وسيداتها الفضيلات في العصر الذهبي وما بعده وفي مختلف المجالات من فنون تلفزيونية ومسرحية وموسيقية، ومن كُتّاب ومفكرين وشعراء ورياضيين.
أما الآن فإن أول الأسماء التي تتردد على الألسنة هي أسماء «الفاشنيستات» و«مؤثرات السوشيال الميديا»، فيا له من وضع مؤسف! فماذا صنع هؤلاء سوى نشر المحتوى الهابط؟ هنَ قد أدمنّ إثارة الجدل مقابل الحصول على الاهتمام و«اللايكات»! فانتشرت مقاطعهن على جميع المنصات وأصبح الهروب من غثائهن مهمة شبه مستحيلة.
قد يقول قائل إن صناعة المحتوى «حرية شخصية»، لكنني أرى أنها مسؤولية اجتماعية عظمى، لاسيما إن كان لديك الكثير من المتابعين، فنحن لا يمكننا إنكار كم التأثير السلبي لهؤلاء «المؤثرات»، والذي يمكننا جميعاً أن نستشعره في حياتنا اليومية، وذلك من تسطيح اهتمامات المجتمع وحصرها بالكماليات والهوس بالمظهر الخارجي بصورة أقرب إلى النرجسية، وتطبيع الابتذال من سلوكيات وألفاظ غير لائقة واعتبارها كشيء عادي وطبيعي، وتحديد المرأة بصورة نمطية مقيتة، فلا اهتمامات لديها سوى الشد و«النفخ» وشراء «الماركات» باهظة الثمن والتعامل مع الآخرين بفوقية والتصنع والخضوع في القول أمام الملأ.
ولم أتوقع أنني في يوم ما قد أؤيد وجود رقابة على المحتوى المرئي والمسموع، ولكن ها أنا ذا أقف حائرة مذهولة أمام هذا السيل الهائل من السطحية والابتذال، فلا أجد حلاً سوى سن لوائح من نوع ما تحدد ما هو مقبول وما هو مرفوض، حيث إن المحتوى الذي نشاهده كل يوم يؤثر علينا بشكل عميق فيعيد تشكيل قناعاتنا، ولذلك فإن هنالك دولاً كالصين تسن قوانين تشجع على نشر المحتوى النافع والمفيد وتقنن المحتوى الذي يدعو إلى الإسراف والإسفاف بالقيم المجتمعية. (ورقة بحثية، مات شيهان 2023، https://carnegieendowment.org).
تضخمت الأنا عند هؤلاء «المؤثرات» فظنن أنهن فوق أي قانون، فإذا بإحداهن تنتهك القانون في الدول المجاورة، وثانية تتعمد إثارة الجدل بالمحتوى الخادش، وأخرى تودي بحياة الأبرياء نتيجة لتصرفاتها غير المسؤولة، وثالثة ورابعة يتسلقن عن طريق التملق للأثرياء، فقمن بقلب وتشويه مفاهيم النجاح والإنجاز والأنوثة في عقول المشاهدين، لذا فإنني أسعد كثيراً عندما تتحقق العدالة القانونية والكونية معهن، ويتم ضبطهن وإيقافهن، فيدفعن ثمن استهتارهن «حالهن من حال» الآخرين، فلكل سلوك عواقب يجب تحمل مسؤوليتها.
هنا وجب القول إنني لا أشمل بهذه القائمة بعض الشخصيات المحببة، التي اتخذت مسلكاً خاطئاً نتيجة لظروفها القاهرة، ولحسن الحظ، فقد تحققت العدالة أيضاً في هذا السياق، حيث توفر الدولة المراكز المختصة لعلاج حالات الإدمان.
كلنا سفراء لبلدنا، وكلنا مؤثرون ومتأثرون، فلنبذل قصارى جهدنا لتمثيل هذه الهوية الوطنية والثقافية بأفضل صورة.