سمعنا بطائر الوروار في الأغاني، ولكن لم نسمع بطائر الوقواق، فهل هناك فرق؟ الوروار طائر مهاجر ذو ألوان زاهية، ويُعرف كذلك بآكل النحل «Bee-eaters»، ويتميز بالاجتماعية والتعاون، يبني عشّه ويرعى صغاره بنفسه ويصطاد مع جماعته، ويعتبره البعض رمزاً للكد والإخلاص.

وأما طائر الوقواق فيختلف تماماً، فهو طائر خبيث ورمز للتّطفل والخداع. طائر لا يبني عشّاً، ولا يرعى صغاره، بل يضع بيضه في أعشاش طيور أخرى، ويترك لهم عناء التربية، وأما فرخه فأخبث منه فهو يرمي فراخ مربيته من العش الأصلي ليستفرد هو بالرعاية الخاصة! فما أخبثه وأخبث جيناته... والسؤال: هل يوجد بشر يولدون بهذه الجينات؟

يقول المولى عز وجل: {وَمَا مِن دَآبَّة فِي ٱلأَرضِ وَلَا طَٰٓئِر يَطِيرُ بِجَنَاحَيهِ إِلَّآ أُمَمٌ أَمثَالُكُم}، أي أمثالنا في الخلق والأطباع والرزق والموت والبعث والحشر والاقتصاص، فهم جماعات مثل البشر تَكفّل الخالق بأرزاقهم، وعدَلَ عليهم، فلا يجوز ظلمهم. يقول سُفيان بن عُيْينة: «ما من صنف من الدواب والطير إلا في الناس شبه منه».

Ad

إن عالم الحيوان عالم واضح، نستطيع قراءته بالملاحظات الشخصية وبالدراسات المتخصصة الميدانية، فهم أمم أمثالنا، نتعلم منه ونحذر، وهو سوق مكشوف تُعرض فيه السلوكيات والطّباع كما هي، بخيرها وشرها. ولعل هذا السبب الذي يجعل بعضنا يهتم بمتابعة برامج عالم الحيوان، ليس للتسلية فقط، بل للمعرفة... ولِمَ العجب؟ فقد بعث الله غراباً ليُعلّم الإنسان {فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَابا يَبحَثُ فِي ٱلأَرضِ لِيُرِيَهُ كَيفَ يُوَٰرِي سَوءَةَ أَخِيهِ}.

وقد تناول بعض علماء المسلمين الأوائل هذا المفهوم بعمق كالإمام ابن القيم، حين قرن بعض الطّباع البشرية بالطّباع الحيوانية، لا على سبيل التحقير والاستخفاف، بل لكشف الصفة الغالبة وفهم طبيعتها. فمنهم من نفسه سبعية غضبية همّته العدوان على الناس وقهرهم بما وصلت إليه قدرته، ومنهم من نفسه فأرية فاسق بطبعه مفسد. ومنهم من نفسه على نفوس ذوات السموم والحُمَات كالحية والعقرب وغيرهما، ومنهم كالخيل نفسه عزيزة كريمة.

وأما في وقتنا المعاصر فقد أعجبني تشبيه الكاتب المبدع كريم الشاذلي عندما شبّه بعض البشر بطائر الوقواق، تشبيهاً لافتاً ينقلك من الملاحظة العلمية الباردة إلى تحليل سلوكي حي. فهو لا يكتفي بوصف الطائر، بل يضعك أمام صورة صادمة. ويجعلك ترى الوقواق البشري في العلاقات، شخص يدخل حياتك فجأة، ويزرع مشاعر لم تطلبها، ويستنزف وقتك وطاقتك، ثم يتركك وحيداً تتأمل بيتك الفارغ، لتدرك لاحقاً بعد فوات الأوان أنك كنت تربي قاتل أبنائك!

فهل تلوم نفسك وتندب حظك؟ أم تلوم الوقواق أنه وقواق!؟ أم توقظ الذئب الذي بداخلك لينتقم؟

عزيزي القارئ، إن هذا المقال ليس دعوة للانتقام أو ترك النصيحة، إنما دعوة للحذر أولاً من الوقواق وأمثاله الذين استحلوا الحرام واحترفوا النصب والاحتيال، ثم للتأمل في أنفسنا وفي جمالها وعيوبها، فالطبع الكريم نعمة تستوجب الشكر، والطبع الفقير ابتلاء وجزء من اختبارنا في هذه الدنيا، فإما أن نهذّب نفوسنا لنرتقي بها كبشر، وإما أن نستحلي هذه الطّباع كالوقواق ونسمّيها شطارة!