خلص تقييم سري لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) إلى أن كبار الموالين للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، المحتجز في أحد أسوأ السجون الفدرالية سمعةً في الولايات المتحدة، هم الأقدر على الحفاظ على الاستقرار وقيادة الدولة اللاتينية الغنية بالنفط والثروات الطبيعية، وفي مقدمتهم الرئيسة الجديدة بالوكالة ديلسي رودريغيز.

ووفق وكالة رويترز وصحيفة وول ستريت جورنال، فإن «CIA» أطلعت الرئيس دونالد ترامب على مضمون تقييمهما للوضع بعد العملية الدموية الصادمة لاعتقال مادورو وزوجته سيليا فلوريس، وتمت مشاركة هذه التوصية مع مجموعة محدودة من كبار أعضاء فريقه للأمن القومي.

ودفع تقييم «CIA» ترامب إلى دعم رودريغيز، التي أدت اليمين الدستورية لتصبح أول امرأة تتولى السلطة في تاريخ فنزويلا، بدلاً من زعيمة المعارضة ماريا ماتشادو، التي أعلنت نيتها العودة إلى كاراكاس في أقرب وقت ممكن.

Ad

وفي مقابلة مع شبكة إن بي سي، جدد ترامب تأكيده على أن رودريغيز تتعاون معه، قائلاً: «لديّ شعور بأنها تتعاون. إنها بحاجة إلى المساعدة ولديّ شعور بأنها تحب بلدها وتريد له النجاة». وأضاف: «لسنا في حالة حرب مع فنزويلا، نحن في حرب مع بائعي المخدرات ومن يفرغون سجونهم في بلدنا ويرسلون مدمنيهم، ويفرغون مصحاتهم العقلية ويرسلونهم إلينا».

واعتبر ترامب أن اعتقال مادورو «لحظة استثنائية في التاريخ»، والفائدة الرئيسية لإخراجه من السلطة ستتمثل في خفض أسعار النفط للأميركيين

وأدت رودريغيز اليمين الدستورية، أمس الأول، أمام شقيقها رئيس البرلمان خورخي رودريغيز، المنتمي لحزب تشافيز في نفس يوم بدء الدورة التشريعية جديدة يهيمن عليها الحزب الحاكم.

وأثناء تنصيبها، أعربت رودريغيز عن أسفها الشديد «لمعاناة الشعب الفنزويلي جراء العدوان العسكري غير الشرعي، منددة ببقاء مادورو وفلوريس «رهائن» بالولايات المتحدة.

ورغم إعلان ترامب استعداده لإعادة بناء البنية التحتية لقطاع الطاقة في فنزويلا خلال 18 شهراً، لم تبد الشركات الأميركية الكبرى حماساً للعودة إلى الاستثمار على نطاق واسع في فنزويلا، بعد عقود من الغياب بسبب عدم الاستقرار، وسياسات التأميم، وغياب الضمانات القانونية. 

قيادة عسكرية

في موازاة ذلك، تابع منشقون عن الأجهزة الأمنية الفنزويلية من كولومبيا عملية سقوط مادورو بحالة من الترقب وعدم تصديق ما يحدث، حتى أنّ بعضهم بات يفكّر في العودة لتأسيس «قيادة جديدة». ولجأ جنود وشرطيون سابقون اتُهموا بالخيانة بعد تخليهم عن الزي العسكري قبل نحو 7 سنوات، إلى كولومبيا، لكنّ اعتقال ترامب لمادورو، الذي دفع ببراءته أمس الأول في محكمة بنيويورك، أعاد تشكيل المشهد.

وأكد أحد القادة، لوكالة فرانس برس، من دون ذكر هويته، أنه عندما كان على وشك أن يُعيّن جنرالاً في الجيش، قدّم استقالته لأسباب أخلاقية، إثر خلاف مع رؤسائه، موضحاً أنه بدون مادورو، «على القيادة العسكرية العليا المؤلفة من بعض رفاقه السابقين، التنحّي».

لكن في الوقت الراهن، لا يزال «هؤلاء الضباط موالين تماماً للنظام»، على قول ويلياس كانسينو، وهو عنصر سابق في قيادة العمليات الخاصة بالشرطة. ويؤكد هؤلاء المنشقون الذين هم على تواصل دائم مع رفاقهم السابقين والأطراف المشاركة في هذا الفرار الجماعي، أنهم يخططون للعودة بهدف استبدال القيادة العليا الحالية للجيش التي تتهمها المنظمات غير الحكومية بارتكاب انتهاكات في مجال حقوق الإنسان وجرائم أخرى.

وقال وليامز كانسينو: «نحن بحاجة إلى قيادة عليا جديدة. ننتظر اللحظة المناسبة لدعم الحكومة الجديدة» التي ستُنتخب، «وإعادة بناء مؤسسات الدولة وإعادة النظام».

ويؤكد المنشقون أنّ مؤسستي الجيش والشرطة ما زالتا مواليتين لمادورو. ولا تزال هاتان المؤسستان تحت قيادة وزير الداخلية ديوسدادو كابيلو، ووزير الدفاع فلاديمير بادرينو، وكلاهما مطلوب لدى القضاء الأميركي.

ويشكّك المحقق السابق، كليبرث ديلغادو، في إمكانية حدوث انتقال للسلطة في فنزويلا طالما بقي كبار الضباط الموالون لرودريغيز في مناصبهم. وتشير تقديرات جهات مستقلة إلى أن البلاد تضم نحو ألفي جنرال.

في الأثناء، أشادت زعيمة المعارضة ماتشادو بترامب لاعتقاله مادورو، وتعهدت بالعودة سريعاً إلى بلادها، معلنة استعداد حركتها للفوز بانتخابات حرة.

وأكدت ماتشادو أن فنزويلا ستصبح «الحليف الرئيسي للولايات المتحدة في مجالات الأمن والطاقة».

وفي أول أيام محاكمته في نيويورك، دفع مادورو، أمس الأول، ببراءته من التهم الموجّهة إليه، خصوصاً الاتجار بالمخدرات. وقال للقاضي ألفين هيليرستين: «أنا رئيس فنزويلا وأنا مخطوف هنا منذ السبت، وأنا بريء ولست مذنباً». كذلك، دفعت زوجته سيليا ببراءتها، وأمر القاضي بإبقائهما حتى جلسة 17 مارس في سجن بروكلين الأكبر في الولايات المتحدة، والمعروف بظروفه الصحية السيئة والثغرات في إدارته. 

استقرار إقليمي

في المقابل، جددت الصين دعمها القوي لحكومة وشعب فنزويلا في حماية سيادتهم وأمنهم وحقوقهم المشروعة، مؤكدة استعدادها للعمل مع الدول الإقليمية للدفاع عن استقرار الأمن في منطقة أميركا اللاتينية والكاريبي. 

من ناحيتها، قالت روسيا إنه يجب ضمان حق فنزويلا في تقرير مصيرها من دون تدخّل أجنبي، معربة عن استعدادها للتعاون مع رودريغيز. وإذ أعربت الأمم المتحدة مجدداً عن قلقها البالغ من اعتقال نيكولاس مادورو، وتقويض «المبدأ الأساسي للقانون الدولي القائم على عدم تهديد الدول أو استخدام القوة ضد أراضيها»، انتقد زعيم الأقلية الديموقراطية في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، خطط ترامب لإدارة وقيادة فنزويلا مؤقتاً، واصفا إياها «بالغامضة وغير المقنعة والمبنية على وعود وهمية».

وقال شومر: «لم أتلق أي ضمانات بأننا لن نحاول فعل الشيء نفسه في دول أخرى». وأضاف: «عندما تنخرط الولايات المتحدة في مثل هذا النوع من تغيير الأنظمة، وما يسمى ببناء الدولة، ينتهي الأمر دائما بإلحاق الضرر لنا».

من جهته، حذر الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو من أن ترامب يهدف إلى تحويل دول أميركا اللاتينية إلى مستعمرات مرة أخرى، ودعا الأميركيين إلى «المساعدة في بناء نظام ديموقراطي دولي».