قبل ساعات من دخول عام 2026، سأل الصحافيون الرئيس الأميركي ترامب عن أُمنيته للعام الجديد، فجاءت إجابته سريعة: «السلام على الأرض». وبعد 72 ساعة فقط استيقظ العالم على خبرٍ صادم، اختطاف رئيس فنزويلا مادورو وزوجته، ونقلهما إلى الولايات المتحدة في عمليةٍ عسكرية أميركية.

الصدمة لم تكن في الحدث نفسه، بل في رمزيته، اعتقال رئيس دولة من عاصمته، وبقرارٍ أُحادي من قوة كبرى، حقيقة أعاد سؤالاً قديماً: مَنْ يجرؤ على قول «لا» لـ «ماما أميركا»؟ وما ثمنها؟

ما حدث في فنزويلا لم يكن وليد اللحظة، بل نتيجة مسارٍ طويل من التوتر والمواجهة، فقد قالت كاراكاس «لا» منذ سنوات: لا للتدخل، لا للوصاية، ولا للضغوط السياسية والاقتصادية، لكنها قالتها في نظامٍ دولي غير متكافئ، حيث لا تُقاس المواقف بجرأتها فقط، بل بقدرة أصحابها على تحمُّل تبعاتها، وبحجم شبكة الحماية السياسية والاقتصادية التي تُساند القرار.

Ad

بداية ساخنة جداً لأحداث عام 2026، يبدو فيها هذا المشهد السياسي منعطفاً جديداً ومنهجاً جديداً في إدارة العلاقات الدولية، في هذا المنهج لا تُدار الخلافات عبر التفاوض، بل عبر فرض الوقائع، ثم مناقشتها لاحقاً.

«ماما أميركا» في هذا السياق ليست توصيفاً عاطفياً، لكنه تعبير عن دورٍ مركزي في ضبط إيقاع هذا المنهج. تضع الإطار، تحدِّد الخطوط، وتقرِّر مَنْ يُسمح له بالاعتراض، ومَنْ يُطلب منه أن يتحمَّل العواقب، مَنْ ينسجم مع المسار يُترك له هامش حركة، ومَنْ يقول «لا» يُواجه سلسلة من الضغوط.

وبينما يذهب البعض إلى ربط ما جرى بالنفط الفنزويلي، فالحقيقة أنه رغم ضخامته، فهو ليس مكسباً اقتصادياً سريعاً، حيث إنه من الناحية العلمية نفط ثقيل وعالي الكبريت، ومُكلف جداً في الاستخراج والتكرير، ويحتاج إلى استثمارات ضخمة ومصافٍ مخصصة تستغرق سنوات لبنائها وتجهيزها، لذلك يصعب جداً أن يُؤثر هذا النفط في سوق الطاقة على المدى القصير، إذ إن أهميته ليست آنية، بل استراتيجية طويلة الأمد، كورقةٍ مستقبلية يجب إبقاؤها ضمن نطاق السيطرة.

ومن هنا يمكن القول إن المشهد لا يتعلق فقط بالموارد، بل بإعادة فرض الهيبة، ففي منطق «ماما أميركا» لا تُقاس القوة بالعائد الاقتصادي الفوري، بل بالقدرة على الفعل، وإرسال رسالة واضحة للعالم، مفادها أن قول «لا» له كُلفة وثمن، وكُلفتها لا تُدفع دفعة واحدة، بل تبدأ بعقوبات اقتصادية، ثم عُزلة سياسية، بإنهاك داخلي يمتد إلى حياة الشعب اليومية، ومع الوقت يتحوَّل الخلاف الخارجي إلى أزمةٍ داخلية، ويدفع كالمعتاد الشعب ثمن قرار لم يكن طرفاً مباشراً في اتخاذه.

ما يجعل الحالة الفنزويلية لافتة أنها لا تبدو استثناءً، بل نموذجاً قابلاً للتكرار، فحين تُكسر القواعد في حالةٍ ما، تُصبح القاعدة نفسها أكثر هشاشة، والسوابق في السياسة الدولية نادراً ما تبقى معزولة، بل تتحوَّل إلى أدوات يُعاد استخدامها متى اقتضت المصالح.

في 2026، يكون السؤال: هل ما زالت العلاقات بين الدول تُدار بالقواعد؟

في عالم «ماما أميركا»، والرسالة التي تريد إيصالها، أن الجرأة ليست في قول «لا» فقط، بل في امتلاك القدرة على تحمُّلها، ومَنْ لا يحسب كُلفة هذه الكلمة جيداً، فإنه سيجد نفسه يدفع الثمن من استقرار بلده.

* ينشر بالتزامن مع صحيفتي الشرق القطرية وسبق السعودية