كيف يمكنني أن ألخّص البروفيسور حسين دشتي؟ وهل تُختزَل الشجرةُ العتيقة في ورقةٍ من أوراقها؟

هذه الذكريات التي يكتبها، قد يقرأها أحدكم فيظنّ أنه يطالع مذكرات بروفيسور في كلية الطب، رجل قضى عمره بين المختبرات والأبحاث المحكمة. لكنني أقول لكم:

إن من يظنّ هذا لم يجلس في حضرته يومًا، ولم يذُق من مَعينه.

Ad

هذا الرجل لم يكن عالمًا وحسب. العلماء كثيرون، تجدهم في كل جامعة وكل مؤتمر، يحملون شهاداتهم كمن يحمل أوسمة حرب لم يخُضها، أما هو فشيءٌ آخر تمامًا، شيءٌ من تلك السلالة النادرة التي تتقاطع فيها المعرفة مع الحكمة، والذكاء مع الطيبة، والعمق مع خفّة الظل.

في عام 2005، جلستُ أمام لجنة المقابلات التي كانت ستقرر مصيري كمعيد بعثة في قسم الجراحة بجامعة الكويت. كنتُ شابًا يحمل طموحًا أكبر من تجربته، وأحلامًا أوسع من خبرته. وكان هو هناك، هو والبروفيسور سامي أصفر، ينظران إليَّ بعينين تقرآن ما وراء الكلمات. لم أكن أعرف حينها أنني لا أدخل مقابلة عمل فحسب، بل أعبر عتبة سترسم ما تبقّى من حياتي المهنية.

علّماني كيف أبدأ الأبحاث المختبرية، تلك الأبحاث التي تبدو لمن لا يعرفها متاهةً بلا خيط. شدّا على يدي حين كانت الأيام تتشابه والإحباط يتسلل كضيفٍ ثقيل. قالا لي ما يقوله الأساتذة الحقيقيون، ليس بالكلمات وحدها، بل بالفعل والمثال: إن البحث العلمي ليس سباقًا نحو النشر، بل رحلة نحو الفهم، وأن الصبر ليس فضيلة العاجزين، بل سلاح القادرين.

لكنه ليس عالمًا وحسب، ولو كان عالمًا فقط لما كتبتُ هذه الكلمات.

تلك الحكمة التي يتميّز بها، تلك البصيرة التي تخترق السطوح لتصل إلى اللبّ، من النادر أن تلتقي بمَن يملكها. في حياةٍ كاملة قد تحظى بلقاء شخصٍ أو اثنين من هذا الطراز، إن كنت محظوظًا، وأنا كنت محظوظًا.

قد تبدأ معه حديثًا في بحثٍ معيّن، في أمرٍ دقيقٍ وتخصصي لا يفهمه إلا أهله، تسأله عن آلية خلوية أو شأنٍ طبي حيوي، فيجيبك بما يشفي السؤال. ثم، وكأنما أشارت يدٌ خفية إلى بابٍ آخر في الغرفة ذاتها، تجد نفسك فجأةً في شعر حافظ الشيرازي، ذلك الشاعر الذي سكب الخمرة في كؤوس الكلمات. يتلو عليك بيتًا فارسيًا بصوته الدافئ، فتشعر أن القرون تنطوي، وأن شيراز وكأنها قاب قوسين.

ثم يأخذك إلى مقارنةٍ بين المتنبي وأبي فراس الحمداني، فيفتح أمامك بابًا ما كنت تدري أنه موجود. يحدّثك عن كبرياء المتنبي التي كانت سيفًا ذا حدين، وعن نبل أبي فراس الذي ظلّ أميرًا حتى في أسره. يقرأ لك: «أقول وقد ناحت بقربي حمامة»، فتحسّ أن الحمامة تنوح الآن، في هذه اللحظة، خارج النافذة.

ثم، قبل أن تستوعب كل هذا، يسرد عليك قصةً من «كليلة ودمنة»، قصة الأسد والثور أو الغراب والحيّة، ويُسقطها على وضعٍ حالي بذكاءٍ يجعلك ترى واقعك المعاصر بعينين جديدتين. تلك الحكايات التي كتبها ابن المقفع قبل ألف وثلاثمائة عام تصير على لسانه مرآةً تعكس ما يحدث اليوم في الأروقة والمجالس ودهاليز السياسة.

هو ساحر الكلام حقًا، لكنّه ساحرٌ لا يخدع، بل يكشف، لا يموّه بل ينير. كلامه ليس ألعابًا نارية تبهر العين وتنطفئ، بل مصابيح تضيء دروبًا كانت معتمة.

وهو طيّب القلب بتلك الطيبة الحقيقية التي لا تتظاهر ولا تتكلف. طيبته ليست ضعفًا، ولا هي ذلك اللين الذي يخفي فراغًا، بل هي قوةٌ اختارت أن تتجلى في صورة الرفق. رأيته يتعامل مع الطالب المتعثّر والزميل المحبط والمريض الخائف بالمقدار ذاته من الاحترام والإنصات، وكأن كل إنسان أمامه يستحق كامل انتباهه.

وهو حَسَن المعشر بطريقةٍ تجعل الجلوس معه نعمة لا تُحسب بالدقائق. يدخل إلى المجلس فيدبّ فيه شيءٌ من الحياة لم يكن فيه، ويغادر فيترك أثرًا يطول.

وفوق كل ذلك، فكاهته التي لا مثيل لها، تلك القدرة النادرة على انتزاع الضحكة من أعماقك في الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة. ليست فكاهة المهرّجين التي تسعى إلى إضحاك كل أحد في كل وقت، بل حكمة مَن يعرف أن الضحك أحيانًا أبلغ من الدمع، وأن النكتة في موضعها قد تقول ما تعجز عنه المجلدات.

هذا هو البروفيسور حسين دشتي كما عرفته، وكما أحسب أن كثيرين غيري عرفوه. رجلٌ يذكّرك بأن العالِم الحقيقي ليس مَن يعرف أكثر، بل من يفهم أعمق. ليس من يجمع المعلومات، بل من يحوّلها إلى حكمة.

وأنا، حين أتذكّر تلك المقابلة في عام 2005، أدرك الآن أن ذلك اليوم لم يكن بداية وظيفة، بل بداية تعليمٍ من نوعٍ آخر. تعليمٍ لا يُدرَّس في المناهج ولا يُقاس بالدرجات، بل يُعاش ويُختبر ويبقى معك حتى آخر العمر.

فشكرًا لك يا أستاذي العزيز.

* بروفيسور بكلية الطب قسم الجراحة - جامعة الكويت