لاحظنا في عام 2025، كيف أصبح الطب ساحة عالمية مفتوحة للجدل، تتقاطع فيها الاكتشافات والاختراقات الطبية مع الأسئلة الأخلاقية، وتتصدَّر فيها القضايا الصحية عناوين الأخبار، وتتحوَّل فيها القرارات العلمية إلى قضايا رأي عام تمس مستقبل الإنسان ذاته.
وبالاستناد إلى تحليلات منظمة الصحة العالمية (WHO)، وما نشرته كُبريات الصحف والمجلات العلمية العالمية، يمكن رصد 10 أحداث صحية شكَّلت محطات فاصلة خلال هذا العام، ليس فقط بما حققته من تقدُّم علمي، بل بما أثارته من نقاشات عميقة حول العدالة، والإنسانية، وحدود التدخل في الحياة.
1- تقنية تحوير وتعديل الجينات (CRISPR): علاج جيني موجَّه للمريض بعينه ومدخل لتصميم صفات الأطفال وفق الطلب
للمرة الأولى، صُمم علاج جيني خصيصاً لطفلٍ رضيع مصاب بمرضٍ وراثي نادر يؤدي إلى تراكم الأمونيا السامة في الدم، وتم تطوير العلاج خلال ستة أشهر فقط باستخدام تقنية CRISPR-Cas9 (مقص الجينات). أدى العلاج إلى تحسُّن واضح في الحالة الصحية، مُعلناً بداية عصر الطب الفردي.
علمياً، يفتح هذا النموذج الباب لعلاج آلاف الأمراض الوراثية النادرة. إلا أن الجدل الأخلاقي يتمحور حول التكلفة الباهظة، التي قد تجعل «الجين المُعدَّل» امتيازاً للأثرياء.
الخطر الأكبر يكمن في الانزلاق نحو مفهوم «تصميم صفات الأطفال» وفق طلب والديهم، بدلاً من علاج المرض.
2 - علاج الزهايمر بدواء دونانيماب: صراع الحياة والمال
أظهر دواء دونانيماب (Kisunla) قُدرته على إبطاء التدهور المعرفي بنسبة تقارب 35 في المئة، وفق دراسات منشورة في The Lancet. يمنح العلاج أملاً لنحو 50 مليون مصاب بالزهايمر عالمياً. إلا أن تكلفة العلاج السنوية تبلغ حوالي 10 آلاف دينار تُثير جدلاً حاداً حول الإنصاف الصحي.
أخلاقياً، يبرز سؤال جوهري: هل يُصبح الحفاظ على الذاكرة والهوية العقلية امتيازاً مالياً؟
الخطر يكمن في تعميق الفجوة بين مَنْ يملك العلاج ومَنْ يُحرم منه.
3- أول نجاح للرحم الصناعي: اختراق أم خطيئة؟
نجحت تقنية الرحم الصناعي (جهاز معقد يُحاكي رحم الأم) (Ectogenesis) في إبقاء أجنة شديدة الخداج على قيد الحياة حتى الولادة الكاملة، مستهدفة إنقاذ الأطفال المولودين قبل الأسبوع 24 (الذين لا أمل لهم بالحياة وفق العُرف) تحاكي التقنية بيئة الرحم البشري بدقة تقارب 95 في المئة عبر غرف سيليكون وأنظمة تغذية متقدمة. صحياً، قد تنقذ ملايين الأطفال من الوفاة أو الإعاقة. لكن الجدل الأخلاقي كان واسعاً، إذ طُرحت أسئلة حول تعريف الأمومة، والارتباط الجسدي، والمسؤولية القانونية.
الخطر يتمثل في فصل الحمل عن الجسد الإنساني من دون أطر تشريعية واضحة.
4- توسع لقاحات mRNA: أمل في علاج الإيدز والسرطان
بعد نجاحها في جائحة كوفيد-19، أظهرت لقاحات mRNA نتائج واعدة ضد HIV وبعض أنواع السرطان. سجَّلت التجارب قدرة عالية على تحفيز أجسام مضادة مُحايدة، مع نِسب وقاية مرتفعة.
عالمياً، قد يستفيد أكثر من 40 مليون مصاب بالإيدز من هذه التقنية. إلا أن الجدل الأخلاقي يتمحور حول الآثار طويلة المدى على الجهاز المناعي.
الخطر المحتمل يتمثل في اضطرابات مناعية غير متوقعة، رغم أن التقنية تُعد ثورة حقيقية في مستقبل اللقاحات.
5- البكتيريا السوبر جامبو: «بكتيريا النهاية»
حذَّرت منظمة الصحة العالمية من تصاعد مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية، مع ظهور سلالات تقاوم أكثر من 90 في المئة من العقاقير والمضادات الحيوية.
تشير التوقعات إلى 39 مليون وفاة مباشرة بحلول عام 2050 إذا استمر الوضع الحالي.
صحياً، يُعيد هذا التهديد العالم إلى عصر ما قبل المضادات الحيوية. الجدل الأخلاقي يركز على مسؤولية شركات الأدوية، وسوء الاستخدام الطبي.
الخطر يتمثل في عدوى لا يمكن علاجها، رغم الاستثمارات المتزايدة في علاجاتها.
6- وباء الصحة النفسية: 25% ارتفاعاً في القلق والاكتئاب
سجَّل عام 2025 ارتفاعاً عالمياً بنسبة 25 في المئة بمعدلات القلق والاكتئاب.
تشير تقارير WHO إلى أن نحو مليار شخص يعانون اضطرابات نفسية، 91 في المئة منهم من دون علاج. صحياً، يؤثر ذلك على الإنتاجية والاستقرار الاجتماعي. أخلاقياً، يُطرح سؤال تجاهل الأنظمة الصحية للألم النفسي.
المخاطر تشمل زيادة الانتحار والعنف الأسري والسوداوية وتدهور طبيعة الحياة. التقدُّم يتمثل بالاعتراف بالمشكلة، وتشخيصها، ثم في سياسات جديدة، مثل: تقليص أسبوع العمل، وتوسيع خدمات الدعم النفسي.
7- علاج السكري الجيني: الشفاء على الأبواب
أظهرت تجارب أن إعادة برمجة الخلايا قد تُغني مرضى السكري عن حقن الأنسولين.
تشير النتائج إلى نجاح بلغ 80 في المئة في النماذج التجريبية.
عالمياً، قد يستفيد أكثر من 40 مليون مريض، إلا أن تكلفة العلاج، التي قد تصل إلى مليون دولار للحالة الواحدة تُثير جدلاً أخلاقياً واسعاً حول عدالة الوصول.
المخاطر تشمل ردود فعل مناعية، لكن الإنجاز يمثل نقلة نوعية في علاج الأمراض المزمنة.
8- الطب الشخصي للسرطان: 30% زيادة في الاستجابة
أصبح تحليل البصمة الجينية معياراً في علاج السرطان، ما رفع نِسب الاستجابة بنحو 30 في المئة. يستفيد ملايين المرضى من علاجات أكثر دقة وأقل سمية، إلا أن تكلفة الفحوص، التي قد تصل إلى 5000 دولار، تثير جدلاً حول إتاحة التشخيص.
أخلاقياً، يتركز النقاش حول خصوصية البيانات الجينية. الخطر يتمثل في إساءة استخدام المعلومات الوراثية، ما يستدعي تشريعات صارمة.
9- الذكاء الاصطناعي كطبيب أولي: دقة تفوق 90%
حققت أنظمة الذكاء الاصطناعي دقة تشخيصية تجاوزت 90 في المئة ببعض الحالات المعقدة، وتبنتها 27 في المئة من الأنظمة الصحية.
صحياً، حسَّنت الوصول للرعاية في المناطق النائية، لكن الجدل الأخلاقي يتمثل في فقدان التعاطف الإنساني. الخطر يكمن في تحديد المسؤولية عند الخطأ الطبي. المستقبل يتطلب تكاملاً متوازناً بين الإنسان والآلة.
10- علاج الشلل بالخلايا الجذعية: الوقوف مجدداً
أظهرت تجارب أن حقن خلايا عصبية أعاد الحركة لنحو 50 في المئة من المرضى في الدراسات الأولية. يمثل ذلك أملاً لملايين المشلولين، إلا أن الجدل الأخلاقي يشمل مصادر الخلايا الجذعية.
المخاطر تتضمَّن احتمالات التحوُّل الورمي. ورغم التقدُّم، يبقى التنظيم الصارم ضرورة.
الخلاصة، علَّمنا عام 2025 أن التقدُّم الطبي، مهما بلغ، لا يكون نصراً حقيقياً إلا إذا سار جنباً إلى جنب مع العدالة والضوابط الأخلاقية. فالطب بلا ضمير قد يُنقذ جسداً، لكنه قد يهز إنسانية العالم بأسره.
* وزير الصحة الأسبق