في الوقت الذي يتسابق العالم نحو بناء نماذج ذكاء اصطناعي أكثر ذكاءً وقدرة، يصطدم المطورون بحقيقة فيزيائية مرعبة، العالم الرقمي يغرق في جبال من البيانات التي تتزايد كل يوم، وهذا يضعهم أمام حاجةٍ مُلحَّة لبناء المزيد من مراكز البيانات التي تعمل كـ «ثقوب سوداء» تستنزف الشبكات الكهربائية لتشغيلها، والموارد المائية لتبريدها وضمان استمرار عملها.
لطالما كانت رحلة الحوسبة تستلهم تطورها من قانون «مور» الشهير، الذي تنبَّأ بالقدرة التكنولوجية على مضاعفة عدد الترانزستورات في المعالجات الرقمية كل عامين، لكن العلماء أيقنوا أنهم وصلوا إلى أقصى حدود السيليكون في قُدرة المعالجات على زيادة أعداد الترانزستورات في الرقائق الرقمية. وتجلَّى ذلك في إعلان جينسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة Nvidia (الرائدة في صناعة رقائق الذكاء الاصطناعي الإلكترونية) بقوله إن «قانون مور قد مات»، مشيراً إلى أن تصغير الرقائق الإلكترونية لم يعد مُجدياً كما في السابق لجهة استهلاك الطاقة والحاجة إلى مزيدٍ من التبريد. وهنا دخلت شركات التكنولوجيا الكبرى في سباقٍ محموم للبحث عن بدائل وحلول.
أحد الحلول التي يعمل عليها المطورون يُمثل محاكاة عبقرية لأعظم وأقدم نظام أرشفة في الوجود، والذي أودعه الله عز وجل في الحمض النووي البشري، حيث تعمل كل خلية في جسم الإنسان كمركز تخزين بيانات مجهري فائق الكفاءة، وبطاقة استهلاك صفرية تقريباً، ومساحة تخزين عملاقة، فكل خلية في جسم الإنسان تخزن «السر البيولوجي» لبناء كائنٍ حي كامل في مساحة لا تُرى بالعين المُجرَّدة، وبطاقة استهلاك صفرية تقريباً، والفكرة لاستخدامها في تخزين البيانات الرقمية تعتمد ببساطة على إعادة تعريف لغة الحاسوب. فبدلاً من اعتماد لغة الأصفار والآحاد التي تخزن على أقراص مغناطيسية، يقوم العلماء بترجمة هذه الأرقام إلى الحروف الأربعة التي تشكِّل شفرة الحياة (A، C، G، T). وبدلاً من كتابة البيانات بالكهرباء، تتم «طباعتها» كيميائياً في سلاسل DNA اصطناعية.
وهذا ما قاد رواداً مثل جورج تشيرش، الأستاذ في جامعة هارفارد، للقول: «إننا نستعير هذه التكنولوجيا البيولوجية لحل أزماتنا الرقمية»، مؤكداً أن غراماً واحداً من الـ DNA قادر نظرياً على استيعاب 215 مليون غيغا بايت من البيانات، وهو ما يكفي لتخزين كل ما أنتجته البشرية من معرفة في مساحة لا تتعدَّى حجم حقيبة يد صغيرة.
وتراهن شركات كبرى، مثل مايكروسوفت، من خلال أبحاث الدكتورة كارين ستراوس، على أن الـ DNA هو الوسيط الوحيد الذي لا يتقادم أبداً. فبينما تتلف الأقراص الصلبة في عقد من الزمان، يُمكننا قراءة عينات DNA تعود لآلاف السنين، وهذا الاستقرار يعني تحويل مزارع السيرفرات الضخمة إلى قطرات سائلة تحفظ إرثنا الرقمي من دون أن تلتهم مواردنا الحيوية.
لكن، كما هو حال أي تقنية ثورية، لا تزال هناك عقبات تواجه هذه التقنية، ويجهد العلماء على حلها، وأهمها التكلفة العالية، وبطء الكتابة على الـ DNA واسترجاع المعلومات منه.