في أحد اللقاءات الصباحية الهادئة خلال عطلة نهاية الأسبوع، جمعتني جلسة ودّية مع مجموعة من الزملاء من الوسط الأكاديمي. كعادتنا، بدأ الحديث عاماً ثم اتجه سريعاً إلى الشأن الجامعي. ومن بين الموضوعات التي أخذت حيّزاً لافتاً من الحوار كان موضوع الترقية الأكاديمية، ليس من زاوية إجرائية، بل من حيث الفلسفة التي تحكمها والغاية التي تخدمها. دار النقاش تحديداً حول فكرة مسارات الترقية لأعضاء هيئة التدريس، وهي فكرة مطبّقة بدرجات متفاوتة في عدد من الجامعات. الجامعات بطبيعتها مؤسسات متعددة الأدوار، فهي تُدرّس وتبحث وتخدم المجتمع في آن واحد. وضمن هذا الإطار المتنوع، تختلف نقاط القوة بين أعضاء هيئة التدريس، فهناك من يتميز في البحث العلمي، وهناك من يتميز في التدريس وتطوير المناهج، وهناك من يجمع بينهما بدرجات متفاوتة. الاعتراف بهذا التنوع لا يعني تفضيل دور على آخر، بل يعني إمكانية إدارة هذا التنوع بصورة ذكية تتيح لكل أكاديمي أن يبدع في المجال الذي يحقق فيه الأثر الأكبر. فليس جميع الأكاديميين متساوين في ميولهم أو نقاط قوتهم. وجود مسارين للترقية يمثل فرصة للاستثمار بجوانب التميز. المسار البحثي يمكن أن يركّز على جودة الإنتاج العلمي، وبناء المشاريع البحثية، وتعزيز حضور الجامعة على المشهد البحثي الدولي، بينما يمنح المسار التدريسي مساحة أوسع للتميز في التعليم، والابتكار في طرق التدريس، والإشراف الأكاديمي، وبناء قدرات الطلبة. كلا المسارين يلتقي في هدف واحد هو خدمة رسالة الجامعة وتحقيق أثر مستدام، ومعايير الترقية لكل مسار قد تختلف وزنياً ونوعياً. في المسار البحثي، تكون الترقية مبنية أساساً على جودة وكمّ الإنتاج العلمي، والنشر في مجلات محكّمة ذات وزن، والاستشهادات، وقيادة المشاريع البحثية، والإسهام في السمعة البحثية للمؤسسة، أما المسار التدريسي، فتركّز معاييره على جودة التعليم، وتقييمات الطلبة المنهجية، وتطوير البرامج الأكاديمية، والابتكار في أساليب التدريس، والإشراف الفعّال، والمساهمة في تحسين تجربة الطالب التعليمية. التجارب الدولية تشير إلى أن هذا النوع من المرونة المؤسسية قد ينعكس إيجاباً على أداء الجامعات واستقرارها الأكاديمي، حيث يمكن أن يسهم في تعزيز ثقافة التميز المستمر، إذ تُستخدم معايير المسار المختار أيضاً في التقييم السنوي للأداء، بما يساعد على تحديد الاحتياجات التدريبية، ودعم التطوير المهني، وتحقيق مواءمة أفضل بين أهداف الفرد وأهداف المؤسسة. لكن، كأي نموذج، قد لا يخلو هذا النظام من السلبيات ومن أبرزها خلق «طبقية أكاديمية» غير مقصودة بين المسارات، أو صعوبة الانتقال من مسار إلى آخر لاحقاً، وقد يكمن التحدي الحقيقي في هذا النظام في وجود نظام حوكمة واضح وعادل. مسارات الترقية الأكاديمية المختلفة قد تعكس مرونة مؤسسية حميدة، وطرحها للنقاش قد يفتح المجال أمام حوار بنّاء حول أفضل السبل للاستفادة من طاقات الأكاديميين، مما يعزز قدرة المؤسسة على التكيّف مع متغيرات العصر، وتقديم تعليم وبحث علمي عالي الجودة يخدم المجتمع ويسهم في نهضته.
مقالات - زوايا ورؤى
الترقية الأكاديمية
04-01-2026