أرسل إليَّ أحد الإخوة خبراً منشوراً في إحدى الصحف المحلية بعنوان: "فيتش: الكويت ستعود للفوائض... 2026 إذا بلغت أسعار النفط 63 دولاراً".

فقمت بالرد مباشرة بأن هذا الخبر كذب، فرد على الفور "وهل تكذب فيتش؟"، فأجبته: من الممكن أن يكون قد تم نقل كلام "فيتش" بالخطأ، أو تم إدخال احتياطي الأجيال في حساب الميزانية!

وبعد دقائق، أرسل إليَّ رسالة أخرى يقول فيها: "صدقت بومحمد، لقد أضافوا دخل الاستثمارات أي الاحتياطي إلى الميزانية"، وأرسل إليَّ فيديو يتحدث فيه رئيس قسم التصنيفات السيادية في وكالة فيتش وبه ترجمة بالعربية يقول فيها إنهم أضافوا دخل الاستثمارات، رغم أن غيرهم من الوكالات لا يدخلون الاحتياطي، وقال أيضاً إن هناك مخاطر جيوسياسية تحيط بدول المنطقة.

Ad

ولكن، لماذا تم نقل الخبر بهذه الطريقة في الإعلام؟ ولماذا عمدت "فيتش" إلى هذا الأسلوب، والمفروض أنها تعلم أن القانون الكويتي يمنع إدخال الاحتياطي وعوائده المالية في الميزانية، لأن هذا الاحتياطي تم إنشاؤه لمرحلة ما بعد النفط ولمواجهة الأزمات والكوارث والحروب؟

هل تريد "فيتش" منا أن نفرح بوصول سعر برميل النفط الكويتي إلى 63 دولاراً؟ وهل يؤدي وضع تقريرها بهذا الأسلوب إلى صرف الأنظار عن المطالبة بالإصلاح الاقتصادي؟

وحتى من يؤيد السحب من الاحتياطي من كبار الاقتصاديين فإنه يؤكد أن هذا السحب يجب أن يخصص للأغراض الاستثمارية التي تعود على البلاد بالإيرادات المالية والتوظيف وليس للمصروفات الجارية.

أعتقد أن "فيتش" لا يهمها الإصلاح الاقتصادي بقدر ما يهمها تشجيع الكويت على الاقتراض، لذلك عنونت تقريرها بالقول إن سعر 63 دولاراً للبرميل سيؤدي إلى تحقيق وفرة، وإن كل شيء "عال العال".

إن المصروفات في الميزانية هي 14.45 مليار دينار، وهي لا تتعادل إلا إذا بلغ سعر برميل النفط 90 دولاراً، لذلك فإن العجز المتوقع هذا العام هو 6 مليارات دينار إذا استمر هذا السعر ولن تتحقق أي وفورات، وحتى إذا انخفضت المصروفات نتيجة لسحب الجنسيات وتخفيض المعاشات الاستثنائية ونقل عدد من الموظفين إلى وظائف بمزايا مالية أقل وزيادة بعض رسوم الخدمات فلن تؤدي هذه الإجراءات إلى توفير كبير، خصوصاً أن الديوان أعلن توظيف 20 ألف وظيفة جديدة لهذا العام، وهذا التوظيف سيزيد بلا شك من المصروفات، ولو تمت زيادة الرواتب بمقدار 100 دينار فسيكون الإجمالي لجميع الموظفين هو مليار دينار كويتي.

إن بيان مواضع الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد والإشارة إلى العجز المالي السنوي في الميزانية مهم وضروري، لأنه يؤدي إلى الضغط على الحكومة من أجل الإسراع في الإصلاح الاقتصادي، كما يؤدي إلى التذكير بأن الاعتماد على مصدر واحد للدخل غير قابل للاستمرار، وأن من الضرورة تنويع الاقتصاد وزيادة الدخل غير النفطي في جميع أوجه النشاط التجاري والاستثماري والخدمي، وأهمية إتاحة جميع الفرص لعمل القطاع الخاص لكي يكبر ويساهم في الإيرادات وتوظيف المواطنين.

الخلاصة أنه لا يجوز خداع الناس بالتدليس والتصوير لهم أن الأوضاع ممتازة ولدينا فوائض وأن المشروعات الحالية ومعظمها مصروفات جارية هي إصلاحات هيكلية وأنها ستقوم بإصلاح الاقتصاد وإهمال الاختلالات الهيكلية والأخطار الجيوسياسية.