لماذا كل هذا التنكيد على الناس؟ لماذا يصدر في اللحظة الأخيرة قرار من وزارة الداخلية يمنع الألعاب النارية إلا بتصريح، مع علم الجميع بأن الحصول على مثل هذا التصريح قبل ساعات من نهاية العام أمر شبه مستحيل؟ ما الجدوى من قرار يُعلن متأخراً، ثم يُستخدم لاحقاً كذريعة للزجر والعقاب؟
وماذا كسبنا من لغة التهديد والوعيد التي تُكال لكل مَن يخالف التعليمات؟ ولماذا تُنشر صور باعة الألعاب النارية - وهي في معظمها بدائية إلى حد السذاجة - وكأنهم ارتكبوا جرائم تمسّ أمن الدولة، تُكبل أياديهم بالأصفاد، وتُقدَّم مشاهدهم للرأي العام بوصفهم خطراً داهماً؟ ما الرسالة التي يُراد إيصالها للناس؟ هل المقصود القول إن "عين الأمن ساهرة دائماً"؟ ساهرة على ماذا تحديداً؟!
نحن نتحدث عن لحظات عابرة، دقائق قصيرة يحتفي فيها الصغار والشباب بنهاية عام وبداية عام جديد. ألوان بسيطة، أصوات متواضعة، فرح مؤقت سرعان ما ينطفئ. كيف تحوّلت هذه اللحظات إلى تهديد أمني؟ وكيف صارت ألعاب نارية محدودة خطراً يستدعي هذا الاستعراض من الصرامة؟
المسألة ليست احتفالاً برأس السنة في حد ذاته، ولا مناسبة بعينها. هي في جوهرها حاجة إنسانية بسيطة: كسر رتابة الأيام، والهروب ولو قليلاً من نمطية حياة ثقيلة، في بلادٍ لا يكاد الفضاء العام فيها يعرف سوى صور المسؤولين، تتكرر في الإعلام بألوان مختلفة، يتحدثون عن إنجازات عظمى، وكأن من الواجب الوطني أن نصفق ونهلل بلا سؤال ولا نقاش. وفي المقابل، نتلقى بصمت خطاباً رسمياً مشبعاً بالتحذير والتخويف، يطالب بالطاعة أكثر مما يفسح مجالاً للفهم.
لماذا يا سادة؟ هل المطلوب تدجين الناس إلى هذا الحد؟
ليس كل الناس يملكون شاليهات أو أماكن خاصة يقضون فيها العطل. وليس الجميع قادرين أو راغبين في قضاء أوقاتهم بين المولات، يتنقلون من واجهة زجاجية إلى أخرى، أو يمضون الساعات في مقاهٍ فاخرة لا تقدّم سوى الثرثرة والانتظار. هناك مَن لا يملك سوى الشارع، واللحظة العابرة، والفرح الصغير.
الحياة قصيرة، أقصر بكثير مما نتصور. فما حاجتنا لكل هذا النكد؟ ولماذا نُضيّق على ما تبقّى من مساحات الفرح، بدلاً من أن ننظمها بعقلانية، ونحمي الناس دون أن نكسر أرواحهم؟