في بداية إطلالة العام الجديد (2026)، أرفع إلى مقام صاحب السمو الأمير المفدى الشيخ مشعل الأحمد الصباح، ولسمو ولي العهد الشيخ صباح الخالد الصباح، حفظهما الله، وإلى شعب الكويت الكريم، أسمى آيات التبريكات والتهاني، وأدعو الله أن يمنَّ على وطننا وسائر بلاد العرب والمسلمين بالخير والسلام الدائم، وأن يتغمَّد شهداءنا وموتانا برحمته الواسعة، وأن يُفرِّج كرب إخواننا في غزة والسودان واليمن.

مع تدفق المعلومات وتنوُّعها بوسائل التواصل الاجتماعي تشكَّلت أنماط جديدة من الثقافات، منها الغث والسمين، ومنها الدخيل على القِيم الأخلاقية والاجتماعية والدينية، ومنها ما يُؤجج نار الفتنة بين مكونات المجتمع.

لقد منحت منصات التواصل الاجتماعي الفرد العادي مساحةً من التعبير، وقدرةً على التواصل الفوري مع جمهورٍ واسع، حتى أصبح منصةً، ومنتجاً، وناشراً للمحتوى.

Ad

هذا التمكين حمل معه تناقضاً صارخاً، فبدلاً من إثراء النقاش أو تقديم محتوى ذي قيمة، صار الهدف هو الوصول إلى أكبر عددٍ من المتابعين، بحثاً عن الشهرة والمال، حتى وإن كان المحتوى مُتطرفاً، مُضللاً، مُسيئاً، بذيئاً، ومُهيناً للذات.

منصات التواصل لا يعنيها المحتوى، بل في أحيانٍ كثيرة تُكافئ على السلوك الاستفزازي والجدل العقيم على حساب الحقيقة والقِيم الأخلاقية، حتى إنها تدعمهم بغطاءات لغوية، كصانع محتوى، أو مؤثر اجتماعي.

هذه الغطاءات اللغوية جذبت إليها مجموعةً واسعة من المهووسين الباحثين عن الشهرة، منهم مَنْ يعرض نفسه للسخرية، ومنهم مَنْ يختلق مادة استفزازية بغباء أو لقاء أجر، حتى إن كانت على حساب استقرار المجتمع، وبين هذا وذاك، ينشط الذباب الإلكتروني في تهييج الشارع، وإقحامه في مواضيع لا ناقة له فيها ولا جمل، فضلاً عن كون معظمها مفبركاً.

هذه المنصات أصبحت ساحةً خصبة لنشر الأفكار الهدَّامة. فمن الملاحظ أن هناك جهات تستفيد من إثارة النعرات العنصرية والطائفية تضع لها عناوين برَّاقة، تهدف إلى تمزيق المجتمع، تحوِّل الاخوة إلى أعداء، والجيران إلى غرباء، والمواطنين المتآزرين إلى جماعات متصارعة توجهها الأهواء والعواطف والمصالح.

العبث باللحمة الوطنية من أكبر المخاطر التي يمكن إثارتها بوسائل التواصل الاجتماعي، بل تأثيرها قد يدمِّر ويمزق مفهوم التعايش السِّلمي. ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة إثارة النعرات الطائفية والطبقية، فيما الوطنية الحقة لا تعرف التمييز، والانتماء الصادق لا يقبل التفرقة.

مواجهة هذه الظاهرة الخطيرة تتطلَّب وعياً جماعياً، ومسؤولية مشتركة، فالحكومات مُطالبة بتشريعات رادعة للحد من خطاب الكراهية، والمؤسسات التعليمية عليها تعزيز قِيم المُواطَنة الصالحة، والإعلام عليه التزام الموضوعية ومواجهة كل أنواع التمييز، والمجتمع المدني والمثقفون عليهم التصدي للخطابات الهدَّامة. 

أما الشباب، وهم محور الحديث، فمسؤوليتهم جسيمة في هذا المجال، عليهم أن يكونوا حُراساً للوحدة الوطنية، وأن يتسلَّحوا بالوعي والمعرفة، لتمييز الحق من الباطل، والحقيقة من الزيف، وعليهم أن يتذكَّروا دائماً أن يد الله مع الجماعة، وأن الأمة الموحَّدة كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

في الختام، اللحمة الوطنية ليست شعاراً نرفعه في المناسبات، بل هي التزام وممارسة أخلاقية حياتية، تقوم على الاحترام والتضامن في السَّراء والضراء والإخلاص بالعمل، فهي الدروع الحصينة للمجتمع، والسور المتين الذي يحفظ كيانها من كل زعازع الفتنة.

ودمتم سالمين