على الرغم من التقلبات الحادة التي طبعت المشهد المالي العالمي، ودع المستثمرون العام 2025 على مكاسب تاريخية، فقد أنهت أسواق الأسهم في الولايات المتحدة وأوروبا والهند واليابان العام عند مستويات قياسية أو قريبة منها، مسجلةً في بعض الحالات ثالث عام متتالٍ من المكاسب الثنائية الرقم.
ويعكس هذا الأداء جزئياً تنامي التفاؤل بإمكانات الذكاء الاصطناعي في تعزيز أرباح الشركات، لكنه يعكس أيضاً عودة ما يُعرف بـ«الغرائز» لدى المستثمرين على نطاق أوسع.
في آسيا، لم يسبق لشركات الأسواق الناشئة أن اقترضت بتكلفة منخفضة إلى هذا الحد، فيما لم تدفع الشركات الأميركية ذات التصنيف الاستثماري فوائد متدنية مماثلة منذ تسعينيات القرن الماضي.
غير أن هذه الصورة المشرقة تخفي وراءها عاماً بالغ الاضطراب، شهد لحظات اقترب فيها النظام المالي العالمي من حافة أزمة حقيقية، وانكسار عدد من الاتجاهات الراسخة التي اعتاد عليها المستثمرون.
في أبريل، تزعزعت الأسواق العالمية بشدة بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب ما عُرف بـ»رسوم يوم التحرير»، وهي تعريفات جمركية واسعة النطاق هددت بإرباك التجارة العالمية.
وعلى مدار العام، انقلبت موازين بين أسواق كانت تُعد خاسرة وأخرى متصدرة، وتغيرت علاقة المستثمرين بالأصول التقليدية والبديلة.
وفيما يلي أبرز 5 تحولات سوقية شكّلت ملامح 2025:
1- اهتزاز الثقة في «العم سام»
مطلع أبريل، بدت الولايات المتحدة، ولو لفترة وجيزة، وكأنها اقتصاد ناشئ يعاني أزمة ثقة. فبعد إعلان ترامب فرض رسوم جمركية واسعة وبآليات حسابية وُصفت بغير المنطقية، هوت أسواق الأسهم، ولم يقتصر الذعر على الأصول الخطرة، بل امتد إلى سندات الخزانة الأميركية نفسها.
ومع تراجع أسعار السندات وارتفاع عوائدها، كان من المفترض نظرياً أن يحظى الدولار بدعم إضافي، إلا أن ما حدث كان العكس تماماً، إذ سارع المستثمرون إلى بيع العملة الأميركية، في مؤشر نادر على تآكل الثقة في ملاذ طالما عُدّ آمناً.
وهدأت موجة الهلع لاحقاً بعد أن تراجع ترامب عن معظم الرسوم أو أجّل تنفيذها، مما أعاد بعض الطمأنينة إلى الأسواق، وأقنع المستثمرين بأن البيت الأبيض لا يتحرك بلا قيود، وأن الأسواق لا تزال قادرة على فرض نوع من الانضباط، واستقرت سندات الخزانة والدولار، وعادت الأسهم الأميركية إلى مسارها الصاعد.
لكن الضرر لم يُمحَ بالكامل. فالدولار لم يستعد سوى جزء محدود من خسائره، وأصبح المستثمرون الأجانب أكثر ميلاً للتحوط من تقلباته، والأهم أن تجربة فشل سندات الخزانة، ولو مؤقتاً، في أداء دورها كملاذ آمن، ستظل حاضرة في أذهان المستثمرين عند أول أزمة مقبلة.
2- تبادل المواقع بين المتصدرين والمتخلفين في الأسهم
دخلت الأسهم الأميركية عام 2025 وهي محط أنظار العالم، بعد أن حققت مكاسب قوية بلغت 26% في 2023 و23% في 2024، متفوقةً بوضوح على نظيراتها في بقية الأسواق المتقدمة. غير أن هذا التفوق انكسر هذا العام، رغم تمركز الولايات المتحدة في قلب طفرة الذكاء الاصطناعي.
وساهم ضعف الدولار في هذا التحول، لكنه لم يكن العامل الوحيد. فقد تألقت البورصات الأوروبية، مدعومة بخطط تحفيز الاقتصاد الألماني، وارتفاع الإنفاق الدفاعي في القارة.
وداخل أوروبا نفسها، شهدت الأسواق انقلاباً لافتاً، إذ تفوقت أسواق الدول التي كانت تُصنّف سابقاً «طرفية» على نظيراتها في «المركز».
فقد برزت أسواق اليونان وإيطاليا وإسبانيا وبولندا كأداءات استثنائية في 2025، فيما حققت البنوك، التي كانت تعاني سابقاً، مكاسب ملحوظة.
وفي تطور أكثر أهمية، تفوقت أسواق الأسهم الناشئة على الأسواق المتقدمة لأول مرة منذ سنوات، إذ ارتفعت مؤشرات MSCI للأسواق الناشئة بنسبة 27% مقابل 19% للأسواق المتقدمة.
وكانت كوريا الجنوبية من أبرز الرابحين، مع صعود مؤشر «كوسبي» بنحو 70%. ورغم استمرار تركيز الأضواء على وول ستريت، فإن الزخم الحقيقي هذا العام كان في أماكن أخرى من العالم.
3- أسعار الفائدة تهبط... والعوائد لا تتبعها
كان 2025 عاماً مائلاً إلى التيسير النقدي لدى معظم البنوك المركزية الكبرى، فقد خفّض الاحتياطي الفدرالي «البنك المركزي» الأميركي أسعار الفائدة ثلاث مرات، بمقدار ربع نقطة مئوية في كل مرة، كما فعل بنك إنكلترا.
وخفّض كل من البنك المركزي الأوروبي وبنك كندا الفائدة أربع مرات. والاستثناء الوحيد كان بنك اليابان، الذي رفع أسعار الفائدة مرتين، وإن من مستويات شديدة الانخفاض.
غير أن العوائد طويلة الأجل، التي تحدد فعلياً تكلفة الاقتراض على الرهون العقارية والديون الحكومية والشركات، لم تنخفض بالقدر نفسه، بل ارتفعت في بعض الحالات.
وتراجعت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات بنحو 0.4 نقطة مئوية فقط، فيما بالكاد انخفضت عوائد السندات البريطانية. أما في ألمانيا، فارتفعت تكلفة الاقتراض لعشر سنوات إلى 2.9%، بزيادة نصف نقطة مئوية عن بداية العام، وبلغت العوائد اليابانية أعلى مستوى لها منذ 1999.
هذا التباين غذّى ما يُعرف بـ«صفقة تآكل القيمة»، إذ يخشى المستثمرون من أن البنوك المركزية تخفّض الفائدة مبكراً، وأن الحكومات تقترض بوتيرة غير مستدامة، ما قد يعيد إشعال التضخم ويقوّض القيمة الحقيقية للعملات والديون السيادية، ولهذا، يطالب حاملو السندات بعوائد أعلى تعويضاً عن هذه المخاطر.
4- بتكوين... ليست ذهباً رقمياً
لفترة طويلة، رُوّج لبتكوين باعتبارها «ذهباً رقمياً»، بفضل محدودية معروضها واستقلالها عن سياسات البنوك المركزية، لكن عام 2025 وجّه ضربة قوية لهذه السردية.
منذ بداية العام، ارتفع سعر الذهب بأكثر من 60%، بينما تراجعت بتكوين بنحو 7%، وتعرضت لهبوط حاد تجاوز 30% بين ذروتها وأدنى مستوياتها في أكتوبر ونوفمبر.
وبدلاً من البحث عن بدائل رقمية للذهب، اتجه المستثمرون إلى الملاذات التقليدية، حيث تفوقت الفضة حتى على الذهب، مسجلةً أكثر من ضعف قيمتها.
وتشير تحركات بتكوين إلى أنها أقرب إلى مقياس لشهية المخاطرة العالمية أو التفاؤل التكنولوجي، إذ تزامن هبوطها الحاد مع تراجع أسهم شركات التكنولوجيا، وعلى رأسها «إنفيديا».
ومع ذلك، تفوقت أسهم التكنولوجيا على أداء العملة المشفرة على مدار العام، ما يضع أنصار بتكوين أمام تحدي تقديم رواية أكثر إقناعاً.
5- تراجع بريق الأسواق الخاصة
بعد عقد من النمو السريع، بدأت صناعة الاستثمار الخاص تفقد بعض جاذبيتها. فوفق بيانات «بيتشبوك»، جمعت شركات الاستثمار الخاص نحو 900 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من 2025، وهو ما يشير، إذا استمر، إلى رابع عام متتالٍ من تراجع جمع الأموال منذ ذروة 2021.
ويعود ذلك جزئياً إلى صعوبة إتمام صفقات الاستحواذ والبيع في ظل ارتفاع تكاليف التمويل، إضافة إلى حالة عدم اليقين الجيوسياسي التي جمّدت العديد من الصفقات. ونتيجة لذلك، أعادت شركات الاستثمار الخاص رأسمال أقل إلى مستثمريها، ما زاد من تردد هؤلاء في ضخ أموال جديدة.
وليس من المستغرب، والحال هذه، أن تسعى هذه الشركات إلى «دمقرطة» الاستثمار الخاص عبر استقطاب المستثمرين الأفراد.
غير أن السؤال يبقى: هل ينبغي للأفراد أن يخاطروا بأموالهم في وقت بات فيه المستثمرون المؤسسيون أنفسهم أكثر حذراً؟