نبدو اليوم كأننا خارج سياق المنطقة، منفصلين عن نبضها وعن تحوُّلاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية. هذا الشعور بالاختلال ليس وهماً، ولا مبالغة خطابية، بل هو نتيجة تراكم طويل من التآكل الداخلي، كان عنوانه الأبرز: غياب التعايش. فالمجتمعات لا تختل لأنها ضعيفة فقط، بل لأنها تفقد قُدرتها على احتواء ذاتها أولاً، ثم على فهم مُحيطها ثانياً، وقُدرة هذا المجتمع على التفاعل الذكي مع مُحيطه تعتمد على مدى قوة شبكة التعايش الداخلي.
في مراحل سابقة، كان التعايش حقيقة يومية، لا شعاراً موسمياً. اختلاف الرأي لم يكن سبباً للإقصاء، والانتماءات المتعددة لم تُعامل كتهديد، بل كانت جزءاً طبيعياً من تكوين المجتمع، وإثراءً لخبراته الاجتماعية والثقافية. كان هناك هامش واسع للاختلاف، ومساحة للنقاش، وقُدرة على تحويل التناقضات إلى توازن وبناء رؤية مشتركة.
أما اليوم، فقد ضاق هذا الهامش، وتقلَّصت المساحة، وتحوَّل الاختلاف إلى خصومة، والخصومة إلى قطيعة، فتآكلت الروابط الاجتماعية، وبدأت الثقة بين الناس تهتز.
هذا التحوُّل الداخلي انعكس مباشرةً على علاقتنا بالمنطقة. فحين يفقد المجتمع انسجامه الداخلي، يفقد بوصلته الخارجية. تُصبح قراءة المشهد الإقليمي مشوشة، وردود الفعل متسرِّعة، والمواقف متناقضة، وتتأثر قُدرتنا على اتخاذ قرارات استراتيجية هادئة وعقلانية.
المنطقة من حولنا تشهد تحوُّلات كبرى: إعادة تشكيل تحالفات، صعود قوى جديدة، أزمات ممتدة، وتغيُّرات عميقة في مفهوم الدولة والمجتمع. بينما نحن ما زلنا أسرى نزاعات داخلية صغيرة، تستنزف طاقتنا، وتضعف قدرتنا على التفاعل الفاعل مع ما يجري حولنا، وكأننا متفرجون على مشهدٍ تاريخي كبير يحدث خارجنا.
غياب التعايش أنتج حالةً من الاستقطاب الحاد، حيث يُختزل المجتمع إلى معسكرات متقابلة، كل منها يدَّعي امتلاك الحقيقة المُطلقة.
في هذا المناخ، يُلغى العقل لمصلحة الانفعال، وتُهمَّش الكفاءة لمصلحة الولاء، ويُستبدل الحوار بالتخوين، ويُصبح النقد البنَّاء رفاهية غير مرغوب فيها. وهنا يبدأ الاختلال الحقيقي: اختلال في القرار، في الأولويات، وفي فهم المصلحة العامة، ويُصبح المجتمع غير قادر على مواجهة تحدياته الداخلية والخارجية بنفس الوعي والاتزان. الأخطر أن هذا الواقع ولَّد شعوراً جماعياً بالتعيس، ذلك الإحساس بالإحباط وفقدان الأمل. التعيس الذي كان يوماً دافعاً للتغيير، ومحرِّكاً للسؤال والبحث عن حلول، أصبح اليوم مفقوداً أو محاصراً. حلّ مكانه الصمت أو اللامبالاة أو الغضب غير المنتج، وحين يغيب هذا الحس النقدي الحي، يفقد المجتمع القدرة على التصحيح الذاتي، ويستمر في إعادة نفس الأخطاء والاختلالات.
التعايش ليس ترفاً أخلاقياً، ولا شعاراً للاستهلاك الإعلامي، لكنه شرط أساسي للاستقرار والاتزان. هو الذي يمنح المجتمع مناعة داخلية، ويجعله قادراً على فهم المنطقة والتفاعل معها بثقة، لا بخوف أو ارتباك. ومن دونه، سنبقى مختلين عن محيطنا، نعيش على هامش التحوُّلات، بدل أن نكون جزءاً فاعلاً فيها.
الخلاصة، إن الاختلال ليس قدراً، بل نتيجة خيارات. وإعادة التعايش ليست مهمة مستحيلة، لكنها تحتاج إلى شجاعة الاعتراف، وإرادة الإصلاح، وإيمان حقيقي بأن التنوُّع قوة لا ضعف. عندها فقط، يمكن أن يستعيد المجتمع اتزانه، ويعود إلى مكانه الطبيعي في قلب المنطقة، قوةً متفاعلة، وفعلاً مؤثراً في تاريخها ومسارها.