بعد أشهر من الضغوط والتهديدات، شنت القوات الأميركية، أمس، هجوماً جوياً على العاصمة الفنزويلية كاراكاس ومناطق أخرى في فنزويلا، مستهدفة قواعد عسكرية بينها مجمع فويرتي تيونا العسكري الأكبر في البلاد، إضافة إلى دفاعات جوية ومنشآت أخرى بينها ميناء لا غوايرا، المرفأ الفنزويلي الرئيسي، في إطار عملية عسكرية نوعية، أسفرت عن اعتقال الرئيس الاشتراكي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس على يد قوات دلتا للنخبة واقتيادهما إلى الولايات المتحدة لمحاكمتهما بتهم تهريب المخدرات والسلاح، والإرهاب. 

وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب نجاح العملية التي جاءت في نفس اليوم الذي سلّم فيه رئيس بنما السابق مانويل نورييغا نفسه للقوات الأميركية في 3 يناير 1990 بعد أشهر من غزو القوات الأميركية لبلاده خلال عهد الرئيس جورج بوش الأب. 

وكشف الرئيس الأميركي أن مادورو اعتُقل داخل حصن، في إشارة محتملة إلى ملجأ في مجمع فويرتي تيونا يدعى «منزل الصنوبر»، واقتيد إلى السفينة الأميركية الحربية أيو جيما وسينقل لاحقاً إلى نيويورك. ووفق المعلومات سيمثُل أمام المحكمة في موعد أقربه يوم غد. 

Ad

وفي تصريح له بمنتجع مارالاغو في فلوريدا، أكد ترامب أن واشنطن ستنخرط «بقوة في قطاع النفط الفنزويلي»، وسيكون لها الكلمة الفصل في من سيحكم فنزويلا، وأنه يدرس تسليم السلطة لزعيمة المعارضة ماريا ماتشادو، مستطرداً بأن «لديهم الآن نائبة الرئيس»، في إشارة إلى ديلسي رودريغيز نائبة مادورو. 

ولوح الرئيس الأميركي بضربات أخرى قائلاً إنه لا يزال أمام الموالين لمادورو مستقبل سيئ إذا ظلوا على ولائهم له. 

وفي وقت لاحق قال ترامب، خلال مؤتمر صحافي مع وزيرَي الدفاع والخارجية، إن بلاده «ستدير» فنزويلا حتى تأمين انتقال سياسي «آمن وسليم ورشيد»، مضيفاً أن القوات الأميركية مستعدة لتنفيذ موجة ثانية من الضربات على فنزويلا «أكبر بكثير»، إذا لزم الأمر. 

في المقابل، فعّلت حكومة فنزويلا مرسوم مادورو بتنفيذ جميع خطط الدفاع الوطني على كل أراضيها، معلنةً «حالة الطوارئ والتعبئة العامّة لمواجهة العدوان الإمبريالي والحرب الاستعمارية». 

واعتبرت حكومة فنزويلا أنّ «العدوان الأميركي يحاول أن يكسر الاستقلال السياسي للبلاد بالقوة»، وأنّ مصيره «الفشل»، وأكدت احتفاظها بحقّ «ممارسة الدفاع المشروع عن شعبها وأراضيها وسيادتها واستقلالها». 

ورفعت حكومة فنزويلا شكوى أمام مجلس الأمن والمنظمات الإقليمية والدولية، للتصدّي للعدوان وإدانة حكومة الولايات المتحدة ومحاسبتها. 

وتعهّد وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز بأنّ فنزويلا «ستقاوم»، داعياً المواطنين إلى «تجنّب الذعر والفوضى في ظل الهجمات الأميركية». 

وشهدت بعض المناطق الفنزويلية مشاهد متناقضة. وتداولت وسائل التواصل شريطاً مصوراً أظهر قيام بعض المعارضين بنزع صورة كبيرة لمادورو عن أحد الأبنية السكنية. في المقابل، أظهرت المؤسسات التابعة للنظام الاشتراكي التشافيزي، الذي يحكم البلاد منذ 27 عاماً تماسكاً. 

مع ذلك، أثار اعتقال مادورو تساؤلات حول مَنْ سيحكم البلاد وسط مخاوف من مواجهات من اللاجئين وسط تدهور الوضع الاقتصادي. ورغم أن اعتقال رأس النظام لا يعني بالضرورة انهيار بنيته، لكن لم يتضح بعد ما إذا كانت نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز ستتولى زمام الحكم. 

وحذّر خبراء من أن مستقبل الشرعية الرسمية للنظام يبقى غامضاً في ظل وجود الرئيس بالولايات المتحدة وخضوعه لمحاكمة جنائية قد تبقيه في السجن سنوات، مما يفتح الباب أمام صراع محتمل على السلطة، بينما تبقى المعارضة منقسمة بين طريق تفاوضي يحمي مصالحها وخيار مواجهة كاملة للنظام، مما يضع البلاد أمام سيناريو حرب أهلية. 

على المستوى الدولي، أثارت العملية العسكرية الأميركية ردود فعل متباينة دولياً وأميركياً نددت معظمها بتجاهل القانون الدولي، محذرة من فتح الباب أمام المزيد من الفوضى الدولية. 

و‌ندد الرئيس البرازيلي لويس ‌إيناسيو لولا دا ‌سيلفا بالهجوم، ووصفه بأنه يتجاوز «خطاً ‌غير مقبول، وسابقة أخرى بالغة الخطورة ‌للمجتمع الدولي بأسره». في المقابل، احتفى حليف ترامب الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي باعتقال خصمه الإقليمي الأبرز، وكتب: «الحرية تنتصر».

وفي موسكو المزود الرئيسي لكاراكاس بالسلاح، عبّرت الخارجية الروسية، عن «القلق الشديد»، مؤكدة أن «الذرائع التي تُقدَّم لتبرير مثل هذه الأفعال ليس لها أي أساس»، داعية للإفراج عن مادورو.

وقالت الخارجية الصينية إن بكين «تندد بشدة باستخدام الولايات المتحدة القوة ضد ‌دولة ذات سيادة، واستخدام القوة ضد رئيس دولة»، واصفة سلوك واشنطن بأنه «انتهاك خطير للقانون الدولي».

وفي أوروبا، دعت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس إلى «ضبط النفس» واحترام القانون الدولي. 

في المقابل، دعت الخارجية الإسبانية إلى «خفض التصعيد والاعتدال، واتخاذ الإجراءات وفقاً للقانون الدولي»، معلنة استعداد مدريد للتوسط للتوصل إلى حل سلمي. وبينما دانت فرنسا الهجوم الأميركي، نددت إيران وحلفاؤها بـ «العدوان الأميركي».

وفي تفاصيل الخبر:

في ثاني عملية من نوعها في التاريخ الحديث، أمر الرئيس الأميركي دونالد ترامب الجيش بشن هجوم مباغت وواسع النطاق على فنزويلا واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو مع زوجته سيليا فلوريس من قلب العاصمة كاراكاس واقتياده إلى الولايات المتحدة لمحاكمتهما بتهم الإرهاب وتهريب المخدرات والسلاح.

وبعد وقوع سلسلة انفجارات هزت كاراكاس ومنطقتين أخريين، تلاها تحليق مكثّف للطائرات الحربية والمروحيات على علو منخفض في مناطق عدة، كتب ترامب، على موقعه «تروث سوشيال»: «نجحت الولايات المتحدة في تنفيذ ضربة واسعة النطاق ضد فنزويلا وزعيمها الرئيس نيكولاس مادورو، وتم اعتقاله ‌هو وزوجته واقتيادهما جواً إلى الخارج».

وأوضح ترامب، في مقابلة مقتضبة مع صحيفة نيويورك تايمز، أنه «تم تنفيذ هذه العملية الناجحة والرائعة بالتنسيق مع جهات إنفاذ القانون في الولايات المتحدة، بعد الكثير من التخطيط الجيد والكثير من القوات العظيمة والأشخاص العظماء»، لافتاً إلى وقوع إصابات قليلة في صفوف قواته المهاجمة.

وشرح ترامب أبرز المواقع، التي استهدفتها العملية، مشيراً خصوصاً إلى مُجمَّع فويرتي تيونا العسكري، الأكبر في فنزويلا والواقع جنوب كاراكاس، وقاعدة كارلوتا الجوية في الشمال.

وفي وقت لاحق قال ترامب قبل مؤتمر صحافي بمنتجع مارالاغو في فلوريدا، الذي يقضي فيه عطلة عيدي الميلاد ورأس السنة، إن القوات الأميركية اعتقلت مادورو من داخل «حصن»، مؤكداً أن واشنطن ستنخرط «بقوة في قطاع النفط الفنزويلي».

ولوّح ترامب بضربات أخرى قائلاً إنه لا يزال أمام الموالين لمادورو مستقبل سيئ إذا ظلوا على ولائهم له. 

وأشار الرئيس الأميركي إلى أنه سينظر فيما إذا كان من الممكن لزعيمة المعاضة ماريا ماتشادو أن تقود فنزويلا، لكنه أضاف: «لديهم الآن نائبة الرئيس»، في إشارة إلى ديلسي رودريغيز نائبة مادورو.

وكانت وكالة رويترز نقلت عن مصادر أن رودريغيز موجودة حالياً في روسيا، غير أن وكالة تاس الروسية أكدت أن تلك المعلومات زائفة. 

هجوم «دلتا» 

من ناحيتها، كشفت شبكة سي بي إس عن تنفيذ وحدة دلتا بالجيش الأميركي عملية إلقاء القبض على مادورو وزوجته.

وبعد العملية، التي تمت على غرار إطاحة رئيس بنما مانويل نورييغا واعتقاله في 3 يناير 1990 ليُحاكم لاحقاً في أميركا بتهم تهريب المخدرات وغسل الأموال، أبلغت إدارة ترامب قادة «الكونغرس» بالعملية العسكرية في فنزويلا، مؤكدة أنها جاءت اعتماداً على السلطات الممنوحة بموجب المادة الثانية من الدستور التي تمنح الرئيس حق التصرف الفوري في القضايا المتعلقة بالأمن القومي بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة.

3 ولايات 

وكانت الانفجارات المتزامنة هزت العاصمة كاراكاس وشملت مناطق متباعدة ومختلفة، منها ولايات ميراندا وأراغوا ولا أغواير ومطارا سيمون بوليفار في مايكيتيا وهيغيروتي وفي ميناء لا غوايرا، وانتشرت على منصات التواصل مقاطع فيديو تُظهر لحظات من الفوضى والدخان المتصاعد، مما أثار موجة من القلق بين السكان.

واستهدفت الضربات الأميركية مناطق متعددة في العاصمة كاراكاس، مما أدى إلى اندلاع انفجارات متتالية وارتفاع أعمدة الدخان في عدة أحياء، كما وثقت المقاطع مشاهد مروحيات أميركية تجوب أجواء العاصمة الفنزويلية. 

التعبئة والكفاح 

وعلى الفور، فعّلت حكومة فنزويلا مرسوم مادورو بتنفيذ جميع خطط الدفاع الوطني على كل أراضيها، معلنةً «حالة الطوارئ والتعبئة العامّة لمواجهة العدوان الإمبريالي والحرب الاستعمارية».

واعتبرت حكومة فنزويلا أن هذا العدوان الأميركي يحاول أن يكسر «الاستقلال السياسي للبلاد بالقوة»، وأنّ مصيره «الفشل»، وأكدت احتفاظها بحقّ «ممارسة الدفاع المشروع عن شعبها وأراضيها وسيادتها واستقلالها»، معلنةً أنها ستواجه «العدوان الإمبريالي وستهزمه بالتعبئة العامة» كما فشلت كل المحاولات السابقة.

ورفعت حكومة فنزويلا شكوى أمام مجلس الأمن والمنظمات الإقليمية والدولية، للتصدي للعدوان وإدانة حكومة الولايات المتحدة ومحاسبتها، ودعت شعوب وحكومات أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي والعالم إلى «التعبئة والتضامن الفعّال ضد هذا العدوان».

بدورها، تمسكت رودريغيز، نائبة مادورو، بـ «خطة الدفاع»، مبينة أن مادورو «أصدر أوامر واضحة جداً للقوات المسلحة الوطنية البوليفارية بتفعيل كل خطط الدفاع الشامل عن الأمة، وقد صدرت تعليماته وأوامره الموجهة إلى الجيش لا تزال سارية».

وقالت رودريغيز للتلفزيون الرسمي: «في ظل هذا الهجوم الوحشي وسقوط قتلى، لا نعرف مكان وجود الرئيس والسيدة الأولى ونطالب حكومة ترامب بتقديم دليل على أنهما على قيد الحياة».

كما أعلنت نائبة الرئيس مقتل عسكريين ومدنيين «في نقاط مختلفة وقعت بها الهجمات»، قائلة: «ندين هذا الشكل الوحشي والهمجي من العدوان ضد شعبنا الذي أودى بحياة مسؤولين عسكريين أصبحوا شهداء وطننا، وأودى أيضاً بحياة مدنيين فنزويليين أبرياء».

أبشع عدوان

وفي وقت سابق، تحدث وزير الدفاع، فلاديمير لوبيز، عن تنفيذ انتشار واسع لكل القدرات البرية والجوية والبحرية والنهرية والصاروخية.

وفي خطاب مسجّل، قال لوبيز: «تعلن القوات البوليفارية للمجتمع الدولي أن الشعب الفنزويلي تعرّض لأبشع عدوان عسكري إجرامي من حكومة الولايات المتحدة، ويجري حاليّاً إحصاء الجرحى والقتلى». وأضاف: «لقد دنّست وحشية القوات الغازية أرضنا المقدسة في فويرتي تيونا، وكاراكاس، وولايات ميراندا وأراغوا ولا غوايرا».

واتّهم لوبيز الجيش الأميركي باستهداف «مناطق سكنية» والتسبب بسقوط قتلى وجرحى يجري إحصاؤهم، وأكد أن «المؤسسات العسكرية والأمنية تعمل بكامل طاقتها وستستخدم كل القدرات للدفاع عن سيادة فنزويلا واستقرارها، وستتفوّق في هذا الصراع». 

ورفض لوبيز وجود القوات الأجنبية، قائلاً: «سنقاوم». كذلك، دعا المواطنين إلى «تجنّب الذعر والفوضى في ظل الهجمات الأميركية»، مشدّداً على عدم الانجرار إلى الفوضى التي «يحاول العدو أن يدفعنا إليها والحفاظ على الهدوء والانضباط».

واعتبر وزير الداخلية، ديوسدادو كابيلو، في خطاب متلفز، أن الولايات المتحدة لم تحقق سوى نجاح جزئي في عمليتها العسكرية للقبض على مادورو.

وقال كابيلو، وهو يرتدي خوذة عسكرية وسترة واقية من الرصاص ومحاط بحراس مسلحين، «فنزويلا هادئة تماماً، ما أرادوا تحقيقه بقنابلهم وصواريخهم لم ينجح إلا جزئياً، لقد توقعوا أن يفر الناس جبناً. لكن ذلك لم يحدث، لقد ولّى زمن الجبناء».

وطالب وزير الخارجية الفنزويلي، إيفان بينتو، الرئيس ترامب بإعادة مادورو وزوجته على الفور، وحمّله المسؤولية عن سلامتهما الجسدية.

في الأثناء، أفادت وزيرة العدل الأميركية، باميلا بوندي، بأن مادورو وزوجته «سيواجهان قريباً كامل غضب العدالة على التراب الأميركي وفي محاكمة».

وأشارت بوندي إلى أن الزوجين يواجهان اتهامات أمام المحكمة الفدرالية في الدائرة الجنوبية لولاية نيويورك تتعلق بـ «التآمر للإرهاب المرتبط بالمخدرات، والتآمر لاستيراد الكوكايين، وحيازة رشاشات وأجهزة تدميرية، إضافة إلى التآمر لحيازة رشاشات وأجهزة تدميرية ضد الولايات المتحدة».

فانس 

من جهته، أفاد نائب الرئيس الأميركي، جاي دي فانس، بأن فنزويلا تجاهلت عدة عروض للتوصل إلى تسوية، معتبراً أن مادورو هو «آخر شخص يدرك أن ترامب يعني ما يقول».

وقال فانس: «الرئيس عرض أكثر من مخرج، لكنه كان واضحاً على مدى هذه العملية: يتعيّن وضع حد لتهريب المخدرات وإعادة النفط المسروق إلى الولايات المتحدة».

كما شدد فانس على التبرير الأميركي للخطوة على اعتبار أن مادورو فارّ من العدالة الأميركية، قائلاً: «لا يمكنك تجنّب العدالة على خلفية تهريب المخدرات في الولايات المتحدة، لأنك تعيش بقصر في كاراكاس».

واعتبر نائب وزير الخارجية الأميركي، كريستوفر لاندو، أن ثمة «فجراً جديداً» لفنزويلا، التي يتهم ترامب رئيسها الاشتراكي الموجود في السلطة منذ 2013 بأنه يتزعم شبكة واسعة لتهريب المخدرات.

ونقل السيناتور الجمهوري مايك لي عن وزير الخارجية ماركو روبيو تأكيده أن إدارة ترامب استكملت عمليتها العسكرية في فنزويلا مع القبض على مادورو واقتياده للمحاكمة في الولايات المتحدة.

وكتب مايك لي على «إكس» بعد اتصال مع روبيو إنه «لا يتوقع أن تكون هناك أي تحرّكات إضافية في فنزويلا الآن بعدما بات مادورو قيد الاحتجاز في الولايات المتحدة».

وعرضت إدارة ترامب في أغسطس مكافأة قدرها 50 مليون دولار لقاء أي معلومات تقود إلى إلقاء القبض على مادورو الذي يتهمه بتزعم منظمة لتهريب المخدرات تدعى «كارتل الشمس»، ولا تعترف حكومته، على غرار العديد من الدول الأوروبية، بشرعيته.

وأفاد ترامب في ديسمبر بأنه «سيكون من الحكمة» أن يتنحى مادورو، مشيرا إلى أن أيام الزعيم الفنزويلي باتت «معدودة».

خصوم مادورو ينزعون صوره وأنصاره يتمسكون بالحكم

شهدت بعض المناطق الفنزويلية مشاهد متناقضة بعد أن استيقظت البلاد على هجوم أميركي واسع أسفر عن اعتقال الرئيس الاشتراكي نيكولاس مادورو. 

وتداولت وسائل التواصل شريطاً مصوراً أظهر قيام بعض المعارضين بنزع صورة كبيرة لمادورو عن أحد الأبنية السكنية. ولدى المعارضة الفنزويلية قاعدة في الشارع، وقد تمكنت في الانتحابات الأخيرة التي جرت في يوليو 2024، من الحصول على 44% من الأصوات وفق البيانات الرسمية الصادرة عن نظام مادورو نفسه. 

وكانت المعارضة رفضت حينها الاعتراف بتلك النتيجة، مؤكدة حدوث تزوير وعدم شفافية، وأعلنت أنها فازت بالفعل استناداً إلى بياناتها الخاصة. 

في المقابل، أظهرت المؤسسات التابعة للنظام الاشتراكي التشافيزي الذي يحكم البلاد منذ 27 تماسكاً بعد أن خرج وزيرا الدفاع والداخلية ببيانات إلى المواطنين، داعيين إلى التجاوب والهدوء والوحدة، فيما ظهر الكثير من حكام الولايات إلى جانب ميليشيات شعبية جرى تشكيلها أخيراً، مؤكدين عزمهم الدفاع عن البلاد والحكم.

مادورو اعتقل في منزل الصنوبر

بشكل مفاجئ، ودون الإفصاح عن التفاصيل، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أمس، اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مع زوجته. وفيما كشفت مصادر مطلعة أن عناصر كوماندوز من قوات دلتا الخاصة اقتادت مادورو وزوجته سيليا فلوريس، ونقلتهما جواً إلى الولايات المتحدة، أفادت وسائل إعلام أميركي بأن العملية كان مخططاً لها منذ 25 ديسمبر الماضي، إلا أنها أجّلت عدة مرات بسبب الطقس.

وكانت الضربات الأميركية استهدفت مجمع فورتي تيونا، أكبر مجمع عسكري في البلاد، الذي يُعتقد على نطاق واسع أن مادورو يقيم داخله في ملجأ تحت الأرض يُعرف باسم «كاسا دي لوس بينوس» أو «منزل الصنوبر». ويُقال إنه متصل عبر أنفاق بأجزاء أخرى من المجمع، ويخضع لحراسة مشددة.

ووفقا لمصادر عدة، من بينها المسؤول الفنزويلي السابق، إيفان سيمونوفيس، والصحافي مايبورت بيتيت، يقضي مادورو لياليه في هذا الملجأ الآمن الواقع في منطقة غوايكايبورو، علماً بأن المقر الرئاسي الرسمي، أو ما يعرف بقصر ميرافلوريس، يقع بالقرب من هذا المجمع العسكري.

مَن سيحكم فنزويلا؟

سادت حالة من الارتباك صفوف النظام الحاكم في فنزويلا بعد اعتقال الرئيس مادورو، واقتياده إلى الولايات المتحدة، ورغم أن اعتقال رأس النظام لا يعني بالضرورة انهيار بنيته، فإنه لم يتضح بعد ما إذا كانت نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز ستتولى زمام الحكم، خصوصاً أن وكالة رويترز نقلت عن مصادر مطلعة أنها موجودة حالياً في روسيا، وهو ما نفته وكالة تاس الروسية. وطالبت وزارة الخارجية الفنزويلية بإعادة مادورو إلى كاراكاس، غير أن مستقبل الشرعية الرسمية للنظام يبقى غامضاً في ظل وجود الرئيس بالولايات المتحدة وخضوعه لمحاكمة جنائية قد تبقيه في السجن لسنوات.

ويفتح استمرار حالة الارتباك الباب أمام صراع محتمل على السلطة، بين جنرالات يسعون إلى السيطرة باسم الحفاظ على الاستقرار، وقيادات حزبية تحاول إعادة إنتاج نسخة مخففة من التشافيزية، بينما تبقى المعارضة منقسمة بين طريق تفاوضي يحمي مصالحها وخيار مواجهة كاملة للنظام.

هل خرج نيكولاس بـ «صفقة تفاوضية»؟

روسيا تدعو للإفراج عن الرئيس الفنزويلي... وتنديد صيني وأوروبي بانتهاك القانون الدولي

أثارت العملية العسكرية الأميركية ضد فنزويلا التي أسفرت عن اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، ردود فعل متباينة دولياً وأميركياً. وفيما قاد الرئيسان البرازيلي لولا دا سيلفا والكولومبي غوستافو بيترو المعارضة «اللاتينية» للخطوة الأميركية، نددت موسكو «ببرود» بالخطوة فيما اكتفى الاتحاد الاوروبي بالدعوة إلى ضبط النفس، مذكراً بأنه لطالما اعتبر مادورو رئيساً غير شرعي، في وقت اقترحت إسبانيا التوسط للتوصل إلى حل سلمي للأزمة.

من ناحيتها، التزمت الصين الحذر، خصوصاً أن تشيو شياوتشي مبعوث الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى أميركا اللاتينية التقى مادورو قبل ساعات من الضربات الأميركية، في حين نقلت قناة سكاي نيوز عن مصادر في صفوف المعارضة الفنزويلية أن ما جرى كان «صفقة تفاوضية» بين مادورو والحكومة الأميركية، أي «استراتيجية خروج متفق عليها».

غير أن مراقبين استبعدوا أن يكون خروج مادورو جرى بصفقة بينه وبين الإدارة الأميركية، ورجحوا في المقابل، أن تكون العملية جرى تنسيقها بين واشنطن وبعض الأجهزة الأمنية التابعة لنظام مادورو لضمان عدم الانزلاق إلى حرب واسعة. 

أميركا اللاتينية منقسمة 

وفي أميركا اللاتينية، كتب الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو عبر حسابه على شبكة إكس: «يقصفون كاراكاس في الوقت الحالي. تحذير للعالم أجمع لقد هاجموا فنزويلا. يقصفون بصواريخ»، مؤكداً أنه يتعين على كل من منظمة الدول الأميركية ومنظمة الأمم المتحدة «الاجتماع فوراً».

وأضاف بيترو لاحقاً: «تراقب حكومة كولومبيا بقلق بالغ التقارير حول انفجارات ونشاط جوي غير اعتيادي في الساعات الأخيرة في فنزويلا البوليفارية، وكذلك تبعات تصعيد التوتر في المنطقة».

و‌ندد الرئيس البرازيلي لولا دا ‌سيلفا بالهجوم الأميركي ووصفه بأنه يتجاوز «خطاً ‌غير مقبول». وكتب لولا على «إكس»: «هذه الأفعال تمثل استهانة خطيرة بسيادة فنزويلا وسابقة أخرى بالغة الخطورة ‌للمجتمع الدولي بأسره».

في المقابل، احتفى الرئيس الأرجنتيني خابيير ميلي بإعلان ترامب اعتقال مادورو، عبر تدوينة على شبكة إكس الاجتماعية كتب فيها «الحرية تنتصر. تحيا الحرية». وأشاد ميلي، أحد الشخصيات المقربة من ترامب في المنطقة، بإعلان اعتقال مادورو بعد دقائق من منشور على منصة تروث سوشيال.

وكانت الخارجية الأرجنتينية أصدرت أمس الأول تحذيراً لمواطنيها من السفر إلى فنزويلا بسبب «الوضع الخطير» الذي تمر به الأخيرة و«الاعتقالات التعسفية للمواطنين الأجانب».

برود روسيا وصمت الصين 

وفي موسكو، قالت الخارجية الروسية، إن «الولايات المتحدة ارتكبت عملاً عدوانياً مسلحاً ضد فنزويلا. هذا أمر مثير للقلق الشديد ومدان»، مشددة على أن «الذرائع التي تقدم لتبرير مثل هذه الأفعال ليس لها أي أساس، لقد طغت العداوة الأيديولوجية على البراغماتية العملية والرغبة في بناء علاقات قائمة على الثقة والشفافية». وأيدت الخارجية الروسية «البيان الصادر عن السلطات الفنزويلية وقيادة دول أميركا اللاتينية بشأن الدعوة العاجلة لعقد اجتماع لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة».

وأضاف البيان: «يجب أن تبقى أميركا اللاتينية منطقة سلام. يجب ضمان حق فنزويلا في تقرير مصيرها دون أي تدخّل أجنبي مدمر، فضلاً عن التدخل العسكري. نؤكد مجدداً تضامننا مع الشعب الفنزويلي ودعمنا لنهج قيادته البوليفارية الرامية إلى حماية المصالح الوطنية والسيادة الوطنية للبلاد». وتعتبر روسيا المزود الرئيسي للسلاح لفنزويلا.

وفي وقت لاحق، دعت روسيا للإفراج عن مادورو، واصفة إياه بالرئيس المنتخب.  

من ناحيته عبّر وزير الخارجية الروسي ‌سيرغي لافروف ‌عن «تضامنه الكامل ‍مع الشعب الفنزويلي في مواجهة العدوان المسلح» خلال مكالمة هاتفية ‌مع نائبة مادورو. وقالت «الخارجية» الروسية: «تحدث الجانبان عن ضرورة منع أي تصعيد آخر وإيجاد مخرج ‌من الأزمة عبر الحوار».

ونددت بكين بالعملية العسكرية الأميركية، وقالت وزارة الخارجية الصينية ‌في بيان: «تشعر الصين بصدمة بالغة وتندد بشدة باستخدام الولايات المتحدة القوة ضد ‌دولة ذات سيادة واستخدام القوة ضد رئيس دولة».

وتابعت: «تعارض الصين ‍بشكل قاطع مثل هذا السلوك المهيمن من الولايات المتحدة، الذي يمثل انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي وسيادة ‌فنزويلا، ويهدد السلام والأمن في أميركا اللاتينية ‌ومنطقة البحر الكاريبي. نحث الولايات المتحدة على الالتزام ‍بالقانون الدولي ‌ومقاصد ‍ميثاق الأمم المتحدة ومبادئه والتوقف عن انتهاك سيادة الدول الأخرى وأمنها».

حذر أوروبي

وفي أوروبا، دعت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، إلى «ضبط النفس» واحترام القانون الدولي. وقالت كالاس إنها تحدثت هاتفيا مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، مذكرة إياه بأن الاتحاد الأوروبي يشكك في الشرعية الديمقراطية لمادورو. وكتبت «أكّد الاتحاد الأوروبي مرات عدة أن مادورو يفتقر إلى الشرعية ودعا إلى انتقال سلمي للسلطة» في فنزويلا.

في المقابل، دعت الخارجية الإسبانية إلى «خفض التصعيد والاعتدال وإلى اتخاذ الإجراءات دائما وفقا للقانون الدولي ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة». وأعلنت حكومة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز اليسارية أنها مستعدة لتقديم مساعدة للتوصل إلى حل سلمي وقائم على التفاوض للأزمة الحالية. وقال وزير خارجية الدنمارك إنه «يجب العودة للمسار الصحيح نحو التهدئة والحوار ويتعين احترام القانون الدولي».

كما نددت ايران وحلفاؤها مثل حزب الله في لبنان وجماعة أنصار الله الحوثية في اليمن بـ «العدوان الأميركي». 

ودانت فرنسا الهجوم الأميركي واعتقال مادورو، مشددة على أن أي حل للأزمة السياسية في البلاد لا يمكن أن يُفرض من الخارج.

وكتب وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو على منصة إكس: «العملية العسكرية التي أفضت الى اعتقاله تقوّض مبدأ عدم اللجوء إلى القوة، وهو ركيزة القانون الدولي». 

وأضاف بارو: «تذكّر فرنسا بأن أي حل سياسي مستدام لا يمكن فرضه من الخارج، والشعوب السيّدة وحدها تقرر مصيرها».

من ناحيته، شدد رئيس الوزراء البريطاني العمالي كير ستارمر على أن بلاده «غير متورطة بأي شكل من الأشكال» في العملية الأميركية بفنزويلا.

وأوضح ستارمر أنه لم يناقش مع ترامب اعتقال مادورو.

معارضة داخلية 

أما داخل الولايات المتحدة، فقد رفض عدد من أعضاء مجلس الشيوخ من الحزب الديموقراطي الغارات الجوية على الأراضي الفنزويلية، محذرين من عدم وجود أي سبب يستدعي بدء حرب مع الدولة اللاتينية.

وكتب السيناتور الديموقراطي روبن غاليغو من ولاية أريزونا على موقع التواصل الاجتماعي (إكس) إن «هذه الحرب غير قانونية». وأضاف: «من المخجل أن نتحول من شرطي العالم إلى متنمر العالم في أقل من عام واحد. لا يوجد سبب يدعونا إلى الحرب مع فنزويلا».

وفي منشور لاحق، قال غاليغو وهو جندي سابق في سلاح مشاة البحرية الأميركية خدم في العراق، «بغضّ النظر عن النتيجة، فنحن مخطئون في بدء هذه الحرب بفنزويلا». ووصف الحرب بأنها «الحرب الثانية غير المبررة في حياتي».

وأعرب السيناتور الجمهوري، مايك لي من ولاية يوتا عن شكوكه قائلاً في منشور على موقع إكس: «أتطلع إلى معرفة ما إذا كان هناك أي شيء قد يبرر هذا الإجراء دستورياً في غياب إعلان الحرب أو تفويض استخدام القوة العسكرية».

وفي الأشهر الأخيرة، تصدى الديمقراطيون في «الكونغرس» وبعض الجمهوريين للتعزيزات العسكرية من قبل إدارة الرئيس  ترامب في المنطقة، مما أجبر مجلسي النواب والشيوخ على التصويت على إجراءات من شأنها أن تمنع الولايات المتحدة من ضرب فنزويلا دون موافقة «الكونغرس».

وحدة «دلتا»... الذراع السرية لاصطياد الأهداف العالية القيمة

نقلت تقارير صحافية أميركية عن مصادر أن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته نفذ بواسطة قوة دلتا. 

أنشئت هذه الوحدة أواخر السبعينيات للعمل خارج الضوء، وتنفيذ مهام بأقصى درجات السرية والمرونة.

وتعد قوة دلتا من وحدات «المستوى الأول» أو «النخبة» في الجيش الأميركي، وسبق أن نفذت عملية أدت إلى مقتل الزعيم السابق لتنظيم داعش، أبوبكر البغدادي، عام 2019.

ووفق مراجع عسكرية وموسوعية أميركية، تكلف «دلتا» حصراً بعمليات مكافحة الإرهاب وتحرير الرهائن، والقبض أو التصفية الدقيقة لأهداف عالية القيمة، والعمليات ذات الحساسية السياسية القصوى.

ولا تنشر قوة دلتا عقيدتها القتالية تفصيليا، لكن نمطها، بحسب الأدبيات العسكرية الأميركية، يقوم على عمليات قصيرة وحاسمة محددة الهدف، ودمج استخباراتي عميق ضمن قيادة العمليات الخاصة المشتركة، وتكليف قوات صغيرة عالية الأثر تعتمد التفوق المعلوماتي.

ورغم السرية، فهناك عمليات لقوة دلتا أقرت أو وثقت رسمياً، ومنها، عملية إنقاذ رهينة من سجن كارسيل موديلو في بنما مع بدء الغزو الأميركي للبلاد عام 1989، والمشاركة بمحاولة اعتقال قيادات صومالية بالصومال عام 1993. وفي فترة الحرب على الارهاب ما بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، حضرت «دلتا» بشكل دائم في عمليات القبض على «أهداف عالية القيمة» ضمن قيادة العمليات الخاصة المشتركة.