توسعت أضخم احتجاجات تشهدها الجمهورية الإسلامية منذ عام 2022، ضد تردي الأوضاع المعيشية وانهيار العملة المحلية مقابل الدولار، لتشمل نحو 36 مدينة أمس، في وقت ارتفعت حصيلة قتلى المصادمات على هامش التظاهرات التي أتمت أسبوعها الأول، أمس، إلى 10 أشخاص إضافة إلى رجلي أمن.
وكشف مصدر في المجلس الأعلى للأمن القومي، لـ «الجريدة»، أن الأجهزة الأمنية الإيرانية تمكنت، خلال الأسابيع الماضية، من تفكيك شبكات واسعة مرتبطة بإسرائيل، عبر اعتقال عشرات العناصر الذين ينشطون في إثارة الفوضى على هامش الاحتجاجات المرتبطة بارتفاع الأسعار.
وأوضح المصدر أن التحقيقات مع الموقوفين قادت لكشف مخازن أسلحة خفيفة ومتوسطة، شملت رشاشات وقذائف هاون وقذائف «آر بي جي» وصواريخ محمولة على الكتف، مشيراً إلى أن السلطات أحبطت محاولات نفذتها مجموعات بلوشية لإدخال معدات حربية عبر الحدود.
ولفت إلى مواجهات عنيفة في منطقة سراوان الحدودية بين المجموعات المسلحة وقوات حرس الحدود، أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى من الطرفين، واستدعت تدخّل مروحيات الجيش لتدمير آليات ومعدات المسلحين.
وذكر أن طهران حصلت على وثائق استخباراتية تفيد بأن تل أبيب تعمل على إعداد سيناريو يستلهم النموذجين الليبي والسوري، يقوم على نشر الفوضى والاضطرابات، بهدف دفع القوات الأمنية إلى استخدام القوة المفرطة، وتهيئة الأرضية لتدخل خارجي.
وزعم المصدر أن المرحلة الثانية من المخطط تستهدف تحريك مجموعات انفصالية معارضة لفتح جبهات قتال متزامنة في مناطق ذات تركيبة قومية متنوعة، لا سيما في المناطق الكردية والآذرية والعربية والبلوشية، على أن تتولى واشنطن وتل أبيب ودول أخرى توفير الدعم المالي والعسكري.
ووفق السيناريو، تدخل إيران في حرب داخلية طويلة الأمد على غرار النموذج السوري، تنتهي، بحسب المخطط، بإسقاط النظام القائم وإعادة تنصيب نجل الشاه محمد رضا بهلوي في السلطة مع السماح بانفصال الأقاليم الحدودية.
وأشار المصدر إلى أن المعلومات تفيد بأن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بحث تلك الخطة مع ترامب خلال زيارته الأخيرة لفلوريدا، في إطار استراتيجية تستند إلى إشغال السلطات الإيرانية بالأوضاع الداخلية، تمهيداً لتوجيه ضربة مشتركة جديدة تستهدف المنشآت النووية والصاروخية لطهران، مؤكداً أن نتنياهو حصل على ضوء أخضر أميركي.
في المقابل، رفض المرشد الإيراني علي خامنئي ضمناً تلويح ترامب بالتدخل لحماية المتظاهرين الإيرانيين، مؤكداً عدم الرضوخ للعدو، ومعطياً الضوء الأخضر للأجهزة الأمنية للتعامل بحزم مع «مثيري الشغب». وبينما أقر المرشد بالصعوبات الاقتصادية التي يواجهها المواطنون، مؤكداً أن «إيران لن تذعن للعدو وستهزمه ولن تستسلم»، دعا رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير إلى رفع الجاهزية على كل الجبهات بما في ذلك الإيرانية في ظل احتمال اندلاع مواجهة مفاجئة مع طهران.
وفي تفاصيل الخبر:
في ردّ واضح على تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالتدخل لمساعدة المتظاهرين الإيرانيين في حال تعرّضهم لإطلاق نار، أكد المرشد الإيراني علي خامنئي، أمس، أن بلاده لن «تذعن للعدو»، مع إتمام الاحتجاجات الشعبية التي تشهدها الجمهورية الإسلامية أسبوعها الأول.
وفي كلمة وجّهها للشعب الإيراني والمسؤولين، اتهم خامنئي، «أطرافاً خارجية» بالوقوف وراء الارتفاع غير المبرر في أسعار العملات الأجنبية وعدم استقرار السوق، واصفاً ما يحدث بأنه «من صنع العدو».
وأقر المرشد الإيراني بمشروعية احتجاجات أصحاب الأسواق (تجار البازار) على الوضع الاقتصادي، لكنّه حذّر من دخول «المرتزقة» على خط الأزمة لـ «تحويل المطالب المعيشية إلى فوضى».
وأوضح أن «الاحتجاج حق مشروع يختلف تماماً عن الشغب»، مشدداً على «ضرورة التفريق بين المسوقين المخلصين الثوريين، وبين من يهتفون بشعارات معادية للإسلام وإيران، بهدف زعزعة أمن البلاد وتدميرها»، مؤكداً أنه «لا جدوى من الحوار مع مَن يسعى لنشر الفوضى، ويجب وضع حد لهم».
ودعا خامنئي المسؤولين والمواطنين إلى عدم التغاضي عن «الحرب الناعمة التي يشنّها العدو».
وتزامنت دعوة خامنئي للتعامل الصارم مع الاحتجاجات مع تصعيد قادة طهران خطابهم الموجّه للجهات الخارجية، إذ أنذر المتحدث باسم مجلس «صيانة الدستور»، هادي طحان، الرئيس الأميركي دونالد ترامب، دون ذكر اسمه، بـ «صفعة جديدة»، قائلا إن من وصفه بـ «المقامر الذي يتقن الجريمة والإرهاب» يبدو أنه نسي وحدة الشعب الإيراني.
وأضاف أن «أي محاولة جديدة لاختبار الوحدة الإيرانية ستُواجَه بصفعة أخرى»، في إشارة إلى حرب الـ 12 يوماً التي شنتها إسرائيل ضد إيران قبل أن تنضم لها واشنطن منتصف العام الماضي.
وأمس الأول، هدّد رئيس المجلس الأعلى للأمن الإيراني، علي لاريجاني، من أن أي تدخّل أميركي في الشؤون الداخلية لإيران سيقود إلى زعزعة استقرار المنطقة بأكملها، محمّلا واشنطن مسؤولية أي تداعيات محتملة بعد تلويح ترامب بالتدخل لحماية المحتجين الإيرانيين من بطش قوات الأمن الإيرانية، ملوّحاً باستهداف الجنود الأميركيين في المنطقة.
تصاعد الاحتجاجات
في غضون ذلك، حذّر متحدث باسم الشرطة الإيرانية من أن سلطات بلده «لن تسمح للأعداء بتحويل التظاهرات السلمية إلى اضطرابات وانتفاضات مسلحة، وسنحمي الأمة والشعب حتى آخر نفَس»، فيما ذكرت وكالة فارس أن الاحتجاجات تتسع وتزداد عنفاً، بالتزامن مع خروج تظاهرات منددة بالقيادة الإيرانية في العاصمة طهران أمس.
ووقعت احتجاجات ليل الجمعة ـ السبت في حي نازي آباد الجنوبي طهران، حيث انتشرت مقاطع فيديو تُظهر أشخاصا يتحركون في الشوارع ويرددون شعارات مناهضة لخامنئي.
وفي وقت تم تسجيل مقتل 10 أشخاص خلال المصادمات التي صاحبت الاحتجاجات المتواصلة، من بينهم 6 سقطوا الخميس الماضي، أفادت وكالة مهر بمصرع أحد عناصر قوات الباسيج، بعد تعرّضه للطعن وإطلاق نار، خلال «احتجاج مسلحين» في مدينة هرسين بمحافظة كرمانشاه.
بنادق وشاه
وبينما أورد تقرير لوكالة فارس إلقاء نحو 300 شخص قنابل حارقة لإغلاق الشوارع وإشهار بعضهم لبنادق كلاشنيكوف خلال اضطرابات في مدينة دارشهر، دعا رضا بهلوي - نجل الشاه الذي تمّت إطاحته في ثورة 1979 - إلى احتجاجات ضخمة في العاصمة، ووضع حواجز على الطرق الرئيسية.
وفي كرج، وهي إحدى ضواحي طهران، ذكرت «فارس»، التابعة للسلطات الإيرانية، أن بعض الأشخاص أحرقوا العلم الإيراني، بينما كانوا يهتفون «الموت للدكتاتور»، و»هذه ليست المعركة الأخيرة، بهلوي عائد»، مشيرة إلى أن هذه الشعارات «أثارت احتجاجات» مضادة وصدامات أهلية.
كما نقلت وكالة تسنيم عن مسؤول محلي قوله إن شخصا قتل الجمعة في مدينة قم عندما انفجرت «بين يديه» قنبلة يدوية كان ينوي استخدامها.
وأظهرت تحقيقات لمنصات معارضة أن 44 محتجاً أصيبوا بالرصاص الحي وطلقات الخرطوش خلال تصدّي قوات الأمن للتظاهرات التي عمت مدن نحو 25 مدينة، منها أزنا، فولادشهر، كوار، كوهدشت، لردغان، مرودشت، نور آباد، أصفهان، بابل، طهران، جونقان، خرم آباد، زاهدان، شيراز، فسا، فارسان، كرج، همدان، ياسوج، ونهاوند.
متابعة وصِدام
على الصعيد الخارجي، أفادت أوساط عبرية بأن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أجرت مناقشات تناولت سيناريوهات متعددة بشأن التطورات المتسارعة بإيران، في ظل اتساع رقعة الاحتجاجات التي جاءت بموازاة تقارير عن بحث رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إمكانية توجيه ضربة جديدة لطهران، وذلك خلال زيارته إلى الولايات المتحدة واجتماعه بترامب الأسبوع الماضي.
ووسط حالة تأهّب أمني متزايدة، وجّه رئيس أركان الجيش، إيال زامير، برفع الجاهزية والاستعداد لاحتمال اندلاع مواجهة مفاجئة على مختلف الجبهات، بما في ذلك الجبهة الإيرانية، استناداً إلى الدروس المستخلصة من هجوم «7 أكتوبر».
وأبدى حساب باللغة الفارسية، تابع لوزارة الخارجية الإسرائيلية، دعمه للاحتجاجات في إيران، ونُشر رسمٌ كاريكاتوري يضمّ أسداً وشمساً، وهما رمزان كانا على العلم الإيراني حتى قيام الثورة الإسلامية، حيث تستقر مخالب الأسد على ساعة رملية. وفي أسفل الساعة الرملية يظهر شعار العلم الإيراني الحالي.
ورغم أن وتيرة الاحتجاجات لم تصل إلى مستوى موجات سابقة، فإنها تتسم باتساع جغرافي ملحوظ وتصاعد تدريجي في حدّة المواجهات، فيما تتهم السلطات الإيرانية إسرائيل والولايات المتحدة بمسؤولية تأجيجها، معتبرة إياها جزءا من مخطط خارجي لزعزعة الاستقرار في ظل انسداد مسار تفاوضها مع واشنطن بشأن برنامجها النووي وتسلُّحها البالستي.