التقرير الذي أصدرته هيئة تشجيع الاستثمار المباشر (الأجنبي) عن السنة المالية 2024 - 2025 لا يكشف فقط ضآلة قيمة الاستثمارات الأجنبية الواردة إلى البلاد خلال سنة واحدة أو عبر سنوات تأسيس الهيئة، بل يعكس خسائر اقتصادية وضعف بيئة الأعمال الاستثمارية في البلاد، والتي تعبِّر أنشطة الهيئة عنها مالياً وعملياً.

فالتقرير الذي يشمل الفترة ما بين 1 أبريل 2024 و31 مارس 2025 يشير إلى أن الكويت استقطبت خلال عام واحد 222.8 مليون دينار من الاستثمارات المباشرة «الأجنبية»، مقابل 206.9 ملايين للسنة المالية السابقة (2023 -2024)، بنسبة نمو سنوية 7.6 بالمئة، وهي نسبة لا تشكِّل فارقاً في واقع تدفقات الاستثمار الأجنبي، لكونها مماثلة لنسبة نمو الاستثمارات المباشرة السنوية المعتادة في الكويت، لا سيما منذ جائحة كورونا.

كما يبيّن التقرير أن إجمالي التدفقات التراكمية للاستثمار الأجنبي المباشر في البلاد بلغ منذ عام 2015 نحو 1.97 مليار دينار، أي ما يوازي 1.5 في المئة مما تستقطبه دول مجلس التعاون الخليجي من الاستثمارات الأجنبية المعلنة.

Ad

العمالة الوطنية 

وفي الحقيقة، فإن ضآلة الاستثمارات الأجنبية من حيث قيمتها المالية ليست وحدها اللافتة في تقرير هيئة الاستثمار المباشر، فهناك آثار اقتصادية مرتبطة بفلسفة وجود هيئة معنيَّة بجذب الاستثمارات الأجنبية، وما توفره من فرص عملٍ وتدريب للعمالة الوطنية، أو جذب الخبرات الأجنبية، أو تحفيز بيئة الاستثمار المحلي.

فقد أوقفت الهيئة، في تقريرها، إعلان عدد الوظائف التي وفَّرتها الشركات المستفيدة من قانون تشجيع الاستثمار الأجنبي، والذي نشرته قبل 3 سنوات، وذكر أن عدد الوظائف التي وفَّرتها الشركات الأجنبية للكويتيين بلغ 71 وظيفة فقط، حيث ألغت الهيئة نشر هذه الإحصائية، ويُفترض أنها لو حققت أرقاماً أفضل لنشرتها. 

كما كان لافتاً انخفاض عدد برامج التدريب والمستفيدين منها، التي تنظمها شركات الاستثمار الأجنبي من 383 برنامج تدريب العام الماضي إلى 333 برنامجاً العام الحالي، وانخفاض عدد المدربين من 295 موظفاً العام الماضي إلى 273 موظفاً، وهي أرقام تشير إلى ضآلة استفادة العنصر البشري في الكويت من خبرات الشركات الأجنبية.

ضخمة ومحدودة 

كذلك، كان من المثير للانتباه أن عدد الكيانات الأجنبية المرخصة بلغ منذ تأسيس الهيئة عام 2015 نحو 105 كيانات استثمارية من 34 دولة في مختلف القطاعات، ومعظمها شركات عالمية ضخمة، لكن وجودها في الكويت محدود، ويعبِّر عنه رأسمالها أو طبيعة نشاطها، فشركة على مستوى bp (بريتش بتروليوم)، رأسمالها مليونا دينار فقط وطبيعتها استشارية، وكذلك الأمر مع شركة أمازون، برأسمال 1.3 مليون دينار، وحتى شركة بلاك روك، التي دخلت الكويت عام 2025 - لا يشملها التقرير السنوي الحالي- لم يحدد رأسمالها وأغراضها، وفق ما هو متداول بمنصة بلومبرغ (استشاري) فقط. 

بل إن الاستثمارات الأجنبية الأكبر قيمةً نسبياً في الكويت، مثل شركة مايكروسوفت، التي تصل إلى 100 مليون دولار، أقل بكثير من استثمارات نفس الشركة المعلنة أخيراً في الإمارات أو السعودية، التي تتراوح بين 15 و24 مليار دولار. 

كما كان لافتاً تركُّز 51.6 في المئة من الاستثمارات الواردة للبلاد خلال عامٍ في قطاعٍ واحد، هو النفط والغاز، بما يُناقض أهداف الاقتصاد، في حين أن الاقتصاد الكويتي يحتاج إلى تنوُّع أكثر في قطاعات أوسع، منها قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، الذي حاز 38.8 بالمئة، مقابل جذبٍ محدود جداً لقطاعات أخرى يحتاجها الاقتصاد، كالبحث العلمي، أو الصحة، أو قطاع الإنشاء.

ومن المهم الإشارة إلى ما نقلته منصة ‏بلومبرغ من أن شركة الأسهم الخاصة الفرنسية «أرديان» تسعى إلى افتتاح مكتب في الكويت عام 2026 لـ «يشكِّل بوابة إلى أوروبا للمستثمرين الكويتيين»، أي أن مهمتها ستكون تصدير رأس المال من الكويت، وليس جذبه... وهذه في حد ذاتها مفارقة تتعارض مع فلسفة وجود هيئة الاستثمار الأجنبي المباشر.

أين «الأوفست»؟ 

كذلك كان من اللافت في التقرير مروره السريع، وبعمومية، على مسألة برنامج الأوفست، إذ اكتفى التقرير بجملة «متابعة الهيئة تنفيذ التزامات برنامج العمليات المقابلة (الأوفست)»، المكلفة إدارته من قِبل مجلس الوزراء، من دون أي تفصيلٍ مفيد.

فبرنامج الأوفست، الذي شهد فشلاً ذريعاً قبل 9 سنوات، أدى إلى تصفية شركته المختصة (الوطنية للأوفست)، ثم تحويل النظام إلى اختصاص هيئة تشجيع الاستثمار المباشر عام 2018 من دون إتمام صفقة أوفست واحدة منذ ذلك الوقت، مع أنه نظام التزام يتعلَّق بالعمليات المالية المتقابلة، بحيث يفرض على الكيانات الأجنبية التي توقع عقوداً مع الحكومة تحويل نسبةٍ كبيرة تصل إلى ثُلث قيمة الصفقات العسكرية والمدنية إلى مشاريع استثمارية في قطاعات تنموية... وربما كان من الأجدى أن يعرض التقرير المصاعب التي تواجه تنفيذ مشاريع الأوفست في البلاد، بدلاً من التطرُّق له سريعاً، وبعمومية.

مصاعب أعمق 

في المقابل، لا يمكن تجاوز أن مسألة بيئة الاستثمار والأعمال السيئة تتجاوز مسؤولية هيئة الاستثمار المباشر، وإن كانت جزءاً من هذا التعثر، فالمصاعب التي ترتبط بجذب الاستثمارات الأجنبية وتحويلها إلى منافع مالية واقتصادية أكبر من قدرة هيئة أو جهة حكومية، بل تحتاج إلى تضافر عمل مجلس الوزراء، كتوفير الأراضي، لا سيما المناطق الاقتصادية المُقرة فعلياً للهيئة في الوفرة والنويصيب والعبدلي والنعايم، فضلاً عن القسائم التجارية في حولي والسالمية، أو خفض مستويات البيروقراطية، وتبسيط الإجراءات الخاصة، وعدم اتخاذ سياسات حكومية مفاجئة تجاه التراخيص أو العمالة. هذا غير بطء أو عدم طرح جهات حكومية أخرى ذات علاقة بالاستثمار الأجنبي، كهيئة الشراكة بين القطاعين العام والخاص، أو مثلاً شركة المشروعات السياحية، فرصاً جاذبة للمستثمرين الأجانب.

ربما كان من المنتظر ألّا يختتم تقرير هيئة الاستثمار الأجنبي المباشر باستعراض استخدام مبنى الهيئة للطاقة الشمسية أو أنظمة الإضاءة الذكية ووجود مواقف السيارات الكهربائية أو استخدام الذكاء الاصطناعي، بل أن يتضمَّن عرضاً شفافاً للمصاعب التي تواجه الاستثمار الأجنبي في البلاد، والمنافع المرتبطة به من فُرص عملٍ وخبرات، سواء كانت مرتبطة بأعمال الهيئة أو قانونها، أو مرتبطة بجهات حكومية أخرى، أو مجلس الوزراء... فقيمة التقارير التي تُصدرها الجهات الاقتصادية لا تكون مجرَّد بيانات علاقات عامة، بقدر ما هي توصيف للواقع والتوقعات، شاملاً المحفزات والمعوقات.