يُحكى في قديم الزمان أن رجلاً صالحاً أقام سِقايةً على قارعة الطريق، لتكون مورداً للماء لكل مارٍّ وعابر سبيل. جعلها وقفاً لله رب العالمين، صدقةً جاريةً يرجو بها الأجر، ويبتغي بها وجه الله، وخدمة الناس.

لم تمضِ سوى ليلةٍ واحدة، حتى استيقظ الناس على مشهدٍ مُوجع، فقد وُجِدت السقاية مُلوَّثة، وقد عاثت بها الأوساخ. اشتد غضبهم، وسارعوا إلى الرجل الصالح يشكون إليه ما حدث، وقد امتلأت صدورهم استنكاراً وسخطاً. 

نظر إليهم بهدوء، وقال: «لا بأس... أعيدوا بناءها». وأُعيدت السقاية كما كانت، أصفى ماءً، وأحسن ترتيباً، غير أن الفجر لم يطلع حتى تكرَّر الجرح ذاته، وعادت مُدنَّسة من جديد. عندها ثار الناس، وارتفعت الأصوات، وتعالت دعوات الانتقام ممَّن يجرؤ على تلويث صدقةٍ جارية خُصِّصت لعامة الناس.

Ad

ذهبوا إليه غاضبين، فقال لهم بصوتٍ ثابت: «أعيدوا ترتيبها هذه الليلة، وتقصّوا مَنْ يفعل ذلك، واكتموا أمره، ولا تُحدِثوه بشيء، ثم أخبروني».

وفي الصباح، جاءه العمَّال مطأطئي الرؤوس، يعلو وجوههم الحرج والانكسار، وقالوا: «يا سيدي، إن الذي يُلوِّث السقاية هو ابنُ عمِّك».

تنفَّس الرجل الصالح بعُمق، وطلب منهم كِتمان الأمر، وأمرهم بإعادة بناء السقاية من جديد، كأن شيئاً لم يكن.

وحين جنّ الليل، حمل الرجل الصالح هدايا ثمينة، وتوجَّه إلى بيت ابن عمِّه. تفقَّد حاله، واطمأن عليه، وقدَّم له الهدايا، وسأله عن شأنه، وعرض عليه المساعدة، من دون أن يذكر السقاية، أو يُشير إلى الإساءة بكلمةٍ واحدة، ثم انصرف في هدوء... وقبل أن يعود إلى بيته، أوصى عمَّاله أن يُراقبوا السقاية.

وبعد منتصف الليل، جاء ابن العمّ إليها، لكنه هذه المرة لم يأتِ ليُلوِّثها، بل ليُنظف ما حولها، ويُصلح ما فسد منها في صمتٍ وخجل.

عاد العمَّال إلى الرجل الصالح يحملون الخبر بدهشةٍ صادقة، فقد جاء ابنُ عمِّه ليلاً لا ليُفسِد، بل ليُصلِح، ولا ليؤذي، بل ليغسل أثر أذاه في حياء. عندها أشرق وجه الرجل الصالح، وعلم أن الإحسان حين يُقابِل الإساءة، لا يُصلِح سِقاية الماء وحدها، بل يُعيد ترميم القلوب المتصدِّعة أيضاً، وكأن كلامَ الله قد تجلَّى أمام عينيه حياً:

﴿ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليٌّ حميم﴾.

لم يكن ذلك الرجل عاجزاً عن المواجهة، ولا ضعيفاً عن الرد، لكنه أدرك أن الشجاعة ليست في افتعال الخصومات، ولا في توسيع دوائر العداء، بل في القُدرة على تجاوزها من دون أن نفقد إنسانيتنا. فالسلام ليس ضعفاً، بل قوة هادئة، ومقابلة الإساءة بالإحسان ليست سذاجة، بل حِكمة تُطفئ نار الخلاف قبل أن تتحوَّل رماداً في القلوب.

ألم يقل المصطفى ﷺ: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد مَنْ يملك نفسه عند الغضب».

وهكذا تتجلَّى الحقيقة كاملة: أن السلام ليس صمتاً، ولا الإحسان تصرفاً عابراً، بل اختيارٌ شجاع، وفهمٌ عميق لمعنى القوة.

فبعض القلوب لا تُفتَح بالقوة، بل بالإحسان، وبعض الخلافات لا تُحل بالضجيج، بل بالحِكمة، وحين يكون السلام شجاعة... ينتصر الإنسان.