الملف الصحي الإلكتروني هو سجل طبي رقمي موحَّد يتضمَّن التاريخ الصحي الكامل للفرد، بما يشمل: 

التشخيصات، والأدوية، والحساسية، ونتائج الفحوصات، وصور الأشعة، والإجراءات العلاجية، والمتابعات الطبية. أهميته لا تكمن في كونه أداة توثيقٍ حديثة فحسب، بل في كونه بنية تحتية معرفية تُعيد تعريف كيفية تقديم الرعاية الصحية، وكيفية استخدام البيانات الطبية في التخطيط والبحث واتخاذ القرار. 

في الكويت، يكتسب تطبيق الملف الصحي الإلكتروني الوطني أهمية خاصة، فصِغر حجم الدولة، ومحدودية عدد السكان، وتمركز الخدمات الصحية ضمن منظومة يمكن ربطها تقنياً وإدارياً، يجعل من الممكن بناء نظامٍ وطني متكامل خلال فترة زمنية معقولة مقارنة بالدول ذات الأنظمة الصحية المجزأة، مثل الولايات المتحدة. 

Ad

في هذا السياق، لا يكون الملف الصحي مجرَّد مشروعٍ تقني، بل فرصة استراتيجية لبناء منظومة صحية مترابطة، يكون فيها المريض محور البيانات، وتتحرَّك المعلومات معه بسلاسة بين الرعاية الأولية، والمستشفيات العامة، والمراكز التخصصية. 

على المستوى الطبي، يُسهم الملف الصحي الإلكتروني في تحسين جودة القرار الطبي وسلامة المريض. الوصول الفوري إلى التاريخ المرضي الكامل يقلل من الأخطاء التشخيصية والدوائية، ويمنع تكرار الفحوصات غير الضرورية، ويُحسِّن التعامل مع الحالات الطارئة. كما يعزز استمرارية الرعاية، خصوصاً في الأمراض المزمنة التي تتطلَّب متابعة طويلة الأمد، حيث تُصبح جميع التخصصات العاملة على حالة المريض على اطلاع موحَّد ودقيق. لكن القيمة المُضافة الكبرى في الحالة الكويتية تظهر بوضوح في مجال البحث العلمي والصحة العامة. 

وجود ملفٍ صحيٍ إلكترونيٍ وطني يعني توافر بيانات سكانية شبه شاملة، عالية الجودة، ومتصلة زمنياً. هذا النوع من البيانات نادر عالمياً، ويُعد كنزاً علمياً إذا ما أُحسن تنظيمه وحوكمته. 

في دولٍ كبيرة ذات أنظمة متعددة، غالباً ما تكون البيانات مجزأة بين جهات تأمين ومستشفيات وأنظمة مختلفة، مما يحد من قُدرتها على إنتاج المعلومات الدقيقة على مستوى السكان. 

أما في الكويت، فإن النظام الوطني الموحَّد يُتيح تتبُّع مسارات المرض، وتقييم فاعلية العلاجات، ورصد المضاعفات، ودراسة العوامل البيئية والسلوكية المؤثرة على الصحة بشكلٍ أكثر دقة. كما يفتح الملف الصحي الإلكتروني آفاقاً واسعة للبحث الوبائي، وبناء سجلات وطنية للأمراض المزمنة والنادرة، ودعم الدراسات الطولية التي تربط التعرضات البيئية ونمط الحياة بالمخرجات الصحية. 

ومع إمكانية دمج هذه البيانات مستقبلاً مع المعلومات الجينية للمريض، إذا توافرت، يمكن للكويت أن تكون نموذجاً متقدماً في الطب الدقيق، حيث تُستخدم البيانات الوطنية لتطوير استراتيجيات تشخيص وعلاج ووقاية مصممة خصوصاً للسكان. 

ومن زاوية السياسات الصحية، يوفر الملف الإلكتروني قاعدة صلبة لاتخاذ قرارات مبنية على الدليل: توزيع الموارد، وتخطيط القوى العاملة، وتقييم البرامج الوقائية، وقياس الأداء الصحي بشكلٍ موضوعي. 

كل ذلك ينعكس إيجاباً على الاستدامة المالية للنظام الصحي، ويحد من الهدر، ويُحسن الكفاءة. 

يبقى نجاح هذا المشروع مرهوناً بإطارٍ وطنيٍ فعَّال لحوكمة البيانات وحماية الخصوصية، يضمن ثقة المجتمع، ويُوازن بين استخدام البيانات للمصلحة العامة وحماية حقوق الأفراد. فالملف الصحي الإلكتروني ليس مجرَّد استثمار في التقنية، بل هو استثمار في المعرفة، والبحث العلمي، وفي مستقبل صحة السكان. وفي دولة بحجم وإمكانات الكويت، يمكن لهذا الاستثمار أن يكون تحوُّلاً نوعياً يجعل النظام الصحي أكثر ترابطاً، وأكثر ذكاءً، وأكثر استدامةً، وأكثر قدرةً على إنتاج المعرفة.