في يمن اليوم، لا تحتاج إلى منتجعٍ صحي، ولا إلى جلسة تأملٍ، ولا حتى إلى إجازةٍ مدفوعة الأجر، هذا إن كان هناك أجرٌ يُدفع!، فكل ما تحتاجه هو أن تهرب، أن تهرب من السِّياسة يعتبر نعمة عظيمة، أن تهرب من ارتفاع الأسعار فتلك نعمةٌ أخرى، أن تهرب من نشرات الأخبار فهذه نعمةٌ وعبادةٌ أيضاً، بل أن تهرب من النِّقاشات العقيمة فهي نعمةٌ وزكاة عقل، وأن تهرب وتهرب وتهرب!، والهروب هنا ليس جريمة، بل أسلوب حياةٍ يعيشه معظم اليمنيون، وقد يتحوَّل - مع كثرة التِّكرار - إلى نعمة ربانية خالصة.

في بلدانٍ أخرى، يهرب النَّاس من ضجيج العمل إلى هدوء البحر، ومن نزق الدُّنيا إلى سحر الطَّبيعة، ومن جوِّ المُشاحنات والمُضايقات إلى براح الفيافي، أما في اليمن فنحن نهرب من الواقع نفسه، نهرب إلى القات، إلى النُّكتة، إلى السُّخرية، إلى الصَّمت الطَّويل، أو إلى بلدٍ آخر إن تيسَّـر الحظ، وهيهات أن يتيسـر للأغلبية العُظمى من اليمنيين، فهو ليس بمُحال، بل بعيدُ المنال.

ولعل أجمل ما في هذا الهروب، هو أنه لا يحتاج إلى تخطيط، أو إلى تكتيكٍ ودراسة، بل إلى واقعٍ يُعايش الهروب بكل تفاصيله، فاليمن ذاته يُدرّبك عليه تلقائياً، تهرب من طابور الغاز، ومن ازدحام الشَّوارع، ومن أسعار الصَّـرف، ومن انعدام الرَّواتب، ومن ضياع الأمل وانسداد الأُفق، ومن توهان الحاضر وغياب المستقبل، حتى لا تجد شيئاً آخراً لتهرب منه، بل ولتهرب أيضاً من سؤالٍ مُحيِّرٍ ولُغزي يُطرح بثقة: إلى أين نحن ذاهبون؟! والإجابة هُنا - إن وُجدت - مُوجعةٌ أكثر من السُّؤال نفسه!، حتى أن الأحلام أصبحت في هذا البلد مُزعجةٌ ومُقلقة، فكثرة الحُلُم في بلدٍ بلا أُفق يعدُّ نوعاً من التَّعذيب الذَّاتي والجلد النَّفسـي، ولذلك، يُفضِّل اليمني الهُروب إلى استخدام مقولاتٍ شعبيةٍ عديدة، كـ «ما بدا بدأنا عليه»، وإلى «مشـي يومك»، وإلى «من تزوَّج بأُمَّنا أصبح عمَّنا»، تجده يأكل، ويضحك، ويقول: «الله كريم»، و»الحمد لله»، وهاتان العبارتان هما الأكثر استخداماً بعد كلمة «هربنا»!

Ad

وحقيقة فالهروب اليمني لا يعني الجُبن دائماً، وإنما يعني الحفاظ على ما تبقَّى من العقل، والحفاظ على حياةٍ ليست كريمةً بالمرَّة، بل مسلوبةُ الإرادة والكينونة، وليس من الشَّجاعة أن تصـرخ وسط ضجيج الحياة في اليمن إن كان لا أحد يسمع، أما إن كان هناك من سمع فسيأتي ليختطفك وليعذبك وليودي بك شتى صُنُوف المهالك! والشَّجاعة الحقَّة أحياناً أن تغلق أُذنيك وتُسكِّر على فمك، لتنجو بنفسك!

 في اليمن اليوم، من بقي عاقلاً فهو ناجٍ، ومن لا يزال يضحك فهو بطل، ومن أتقن الهروب من ضجيج الحياة فيه فقد حصل على نعمةٍ لا تُقدَّر بثمن.

وفي النهاية، ليس اليمنيون شعباً كسولاً خاملاً ولا هارباً بالفطرة، بل نحن شعبٌ نحاول فقط أن نعيش في بلدٍ متشظٍّ ومُنقسمٍ ومُفتتٍ يجعل الهروب منه نعمةً عظيمة، والبقاء فيه مغامرةً كُبرى... وبعد كل هذا أليس الهروب نعمة؟! نعم، ولكنها نعمةٌ مُرّة، بطعم الضَّحِك المختنق، والوجع الدَّائم! لا رحم الله السِّياسيين، ولا ذوي الأطماع الشَّخصية والحزبية والطَّائفية المقيتة!