تجاوز القلق من سطوة الخوارزميات حدود الهواجس التربوية وتحول إلى زلزال يضرب أروقة صناع التكنولوجيا والمشرّعين وعلماء الدماغ على حد سواء. ولم يكن اختيار قاموس أكسفورد مصطلح «تعفّن العقول» (Brain rot) ككلمة لعام 2024 لكثرة تداولها، مجرد رصد لغوي، بل إعلان رسمي عن وباء رقمي يجتاح الإدراك البشري.  هذا المصطلح الذي استحضره إيلون ماسك مؤخراً في بودكاست عندما وصف الفيديوهات القصيرة بأنها «من أسوأ ما أُنتج في تاريخ الإنترنت»، يمثل صرخة إنذار من قلب المنظومة الرقمية ذاتها، محذراً من تحلل قدرتنا على التفكير الرصين أمام سيل الفيديوهات القصيرة التي تختصر الوعي في لحظات عابرة ومفرغة من المعنى، وهذا يتطابق مع البعد الفلسفي العميق الذي حذر منه نيكولاس كار في كتابه «المياه الضحلة»، حيث يرى أننا نعيش تحولاً مأساوياً من «العقل التأملي»، القادر على الصبر والغوص خلف المعاني، إلى «عقل الاستجابة» الذي يقتصر عمله على رد الفعل تجاه المنبهات السريعة، ويقتات على الإثارة الآنية بدلاً من الفهم الراسخ، وهو تماماً ما أثبتته شواهد علمية تراكمت خلال العقد الأخير كالدراسات المنشورة في دوريات متخصصة كبرى مثل Nature Neuroscience.

هذا الإنذار بالانحدار المعرفي هو ما دفع حكومات كبرى، مثل أستراليا، لاتخاذ قرار تاريخي بحظر استخدام منصات التواصل الاجتماعي لمن هم دون السادسة عشرة، وجاء هذا القرار استناداً إلى تقارير ودراسات تربط بين محفزات السعادة «لهاث الدوبامين» خلف الشاشات وتراجع الأداء الذهني.

إن المفارقة المأساوية تكمن في أن هذه الخوارزميات لم تُصمم لتدمير العقول، بل لتحقيق هدف تجاري سهل وهو «استلاب الانتباه»، حيث تُقاس القيمة في المنصات بمدة البقاء لا بجودة الفكرة وهذا ما يترجم إلى إعلان وأرباح.  فإذا استطاع صانع المحتوى أن يجعلك تشاهد 10 ثوانٍ من أصل 15، فالمحتوى «ناجح» وستقوم الخوارزمية بنشره للملايين، أما إذا قدمت فكرة فلسفية عميقة تحتاج لدقيقتين لفهمها، وهرب المشاهد بعد 5 ثوانٍ، فإن الخوارزمية تعتبر المحتوى «فاشلاً» وتقتله. والنتيجة هي «اقتصاد الإدمان» الذي يحتقر العمق ويقدس الاستعراض، محولاً العالم إلى مسرح كبير للتوافه.

Ad

ولعل أجمل ما يمكننا فعله اليوم لمواجهة هذا التردي هو أن نستلهم من الفيلسوف الأميركي هنري ديفيد ثورو شجاعة الانسحاب نحو الهدوء. ثورو، الذي اعتزل صخب المدنية في منتصف القرن التاسع عشر ليعيش وحيداً في كوخ خشبي على ضفاف بحيرة «والدن»، لم يكن هارباً من الحياة، بل كان باحثاً عن جوهرها. لقد صاغ ثورو فكرة «العيش بوعي» (Living Deliberately)، مؤكداً أن العقل الذي يغرق في «التوافه» والأخبار السطحية يفقد سيادته ويصبح عبداً للمؤثرات الخارجية. وكان يرى أن الضجيج الاجتماعي يسرق منا قدرتنا على التأمل العميق.

لا شك في أننا مقبلون على معركة من أجل استعادة «الإنسان» فينا، والوقوف في وجه هذا «التعفن» الذي يهدد عقولنا، خيالنا وصبرنا.

تبدو «غابة ثورو» هي تلك المساحة الذهنية التي نحتاجها اليوم لنبتعد عن ضجيج «الترندات» وتفاهة المقاطع التي تعفّن العقول. فالوعي الحقيقي يزهر فقط في مساحات الصمت والتأمل التي تمنح عقولنا فرصة للتنفس الهادئ، والعودة للجوهر الأصيل لوجودنا الإنساني.