العالم يتغيَّر بسرعة، وموازين القوة لم تَعد كما كانت منذ عقود. فبعد هيمنةٍ أميركية شبه مُطلقة، امتدت منذ نهاية الحرب الباردة، بدأت تشققات واضحة تظهر في جدار النظام الدولي القديم، لتفتح الباب أمام تشكُّل نظامٍ عالمي جديد تقوده قوى صاعدة من الشرق والجنوب. وفي قلب هذا التحوُّل يبرز تكتل «البريكس»، بوصفه التعبير الأوضح عن هذا التغيير، لا كمجرَّد تحالفٍ اقتصادي، بل كمشروعٍ سياسي واستراتيجي يُعيد تعريف مفهوم القوة والنفوذ في العالم.
وُلد «البريكس» في الأساس كمنصةٍ للتعاون الاقتصادي بين دولٍ نامية كُبرى تسعى إلى تحسين موقعها في النظام المالي العالمي، لكنه اليوم يتجاوز هذا الدور إلى محاولة إعادة رسم قواعد اللعبة الدولية. فمنذ التسعينيات، فرضت الولايات المتحدة نفسها قُطباً أوحد، تتحكَّم في الاقتصاد العالمي عبر الدولار، وفي السياسة الدولية عبر التحالفات والعقوبات، وفي الأمن عبر القوة العسكرية. إلا أن هذا النموذج بدأ يفقد قُدرته على الاستمرار، خصوصاً مع صعود قوى كبرى تمتلك عناصر قوة حقيقية ومتنوعة.
الصين أصبحت المصنع الأكبر في العالم، وقاطرة الاستثمار والبنية التحتية، وروسيا أعادت تثبيت مكانتها كقوةٍ سياسية وعسكرية رغم الضغوط والعقوبات، فيما برزت الهند كقوةٍ بشرية وتكنولوجية صاعدة، والبرازيل وجنوب إفريقيا كقوتين إقليميتين وازنتين.
ومع توسُّع التكتل، ليشمل دولاً من الشرق الأوسط، كالسعودية، والإمارات، ومصر، وإيران، اكتسب «البريكس» عُمقاً جغرافياً ومالياً وطاقةً استراتيجية عابرة للقارات.
جوهر مشروع البريكس لا يكمن في قِممه أو بياناته الختامية، بل في محاولته كسر احتكار الدولار للتجارة العالمية. فالتعامل بالعُملات المحلية وبناء أنظمة مالية بديلة، لا يُمثل خطوةً اقتصادية فحسب، بل يُعد إعلاناً سياسياً عن استعادة القرار السيادي، والتحرُّر من أدوات الابتزاز التي استخدمها الغرب لعقود، سواء عبر العقوبات، أو التحكُّم في المؤسسات المالية الدولية.
ولا يخلو هذا التكتل من تحديات حقيقية، فهناك تناقضات سياسية، وخلافات جغرافية، وتفاوت واضح في طبيعة الأنظمة الحاكمة. لكن ما يجمع هذه الدول أقوى من خلافاتها، وهو إدراك مشترك أن النظام العالمي الحالي غير عادل، وأن الاستمرار في الخضوع له يعني إدامة التبعية، وتهميش المصالح الوطنية.
اليوم، لم تَعد واشنطن اللاعب الوحيد في الساحة الدولية، بل أصبحت لاعباً من بين عدة لاعبين. ومع هذا التحوُّل، تتآكل فكرة «النظام الدولي القائم على القواعد»، التي استُخدمت طويلاً لتبرير الهيمنة الغربية.
«البريكس» يمثل فلسفة مُغايرة: شراكة بدل السيطرة، وتعدُّد بدل الاحتكار، وسيادة وطنية بدل الإملاءات الخارجية.
إن «البريكس» ليس نهاية النظام القديم بحد ذاته، لكنه العلامة الأوضح على بداية نهايته.
العالم يدخل حقبة جديدة، تتراجع فيها هيمنة القُطب الواحد، ويصعد فيها منطق التوازن والتعدُّد. وما نراه اليوم ليس حدثاً عابراً، بل هو تحوُّل تاريخي يُعيد صياغة مستقبل السياسة والاقتصاد العالميين.