في ساحة الفضائل الإنسانية، يقف العطاء شامخاً كأعمدتها الراسخة، لكن هذا الثبات حين يُحمل فوق طاقته قد يحول قلب صاحبه إلى جدارٍ يتصدع في الصمت. و«ريستارت للحياة» تتوقف هذا الأسبوع عند هذه المفارقة المؤلمة: كيف يتحول النبل الإنساني إلى معول هدم خفي يستنزف مُعطيه تحت وطأة تمجيد اجتماعي لا يرى من العطاء إلا لمعانه، بينما يتجاهل المجتمع احتراق القلوب النبيلة خلف هذا العطاء. إن دعوتنا ليست للتخلي عن السخاء، بل لإعادة تشغيل مفهوم العطاء كي ينتقل من جهادٍ يُنهك إلى فيضانٍ يُجدد، ومن بذلٍ يستنفد إلى عطاءٍ يعيد للروح قوتها.وإذا كان العطاء فضيلة، فأين تكمن الرذيلة حين يتحول هذا العطاء إلى عبءٍ يستنزف واهبه؟ في هذه اللحظة الأسبوعية من التأمل، حيث نقف لنراجع فكرةً راسخة أو عادةً متجذرة، نتساءل: هل نسمح لهذا المبدأ أن يستمر على صورته المستنزفة؟ أم نضغط زر «ريستارت» لنعيد بناءه من جديد؟يَكمن لُب التأمل هذا الأسبوعِ في جوهر العَطاء. تلك الفضيلة السامية التي تتعرض، تحت ضغط التوقعات والثقافة والواجبات، لتحريفٍ يقتلعها من أصلها الإنساني، فالعطاء الذي يبدأ كنبع محبة قد ينقلب إلى واجب قسري نخسر فيه ذواتنا، أو قناعٍ نحجب به حاجاتنا الداخلية، أو حتى وسيلة نمارس بها سيطرة لا نعترف بها لأنفسنا. وعندها يفقد العطاء ركنيه الأصيلين: الحرية والاتزان، ويتحول إلى استنزاف صامت يقتطع من رصيد الكينونة. إن العطاء الذي يرهق هو ذاك الذي يُقدم من وعاءٍ فارغ؛ صدقة النفس على الجسد، وتضحية الحاضر لأجل مستقبلٍ غامض. نغفل أن الشجرة التي تمنح دون سقاية لجذورها مصيرها الذبول. وكم من العلاقات تحولت إلى ساحة استنزاف لأن أحد طرفيها أصر على أن يكون الواهب الوحيد! وكم من الآباء والمربين والمهنيين في الميادين الإنسانية ظنوا أن الاحتراق نُبل، بينما هو في حقيقته عنف موجه إلى ذواتهم قبل غيرهم.إعادة التشغيل تعني أن نعيد للحكمة مكانتها في معادلة العطاء، فالحكمة أن تعرف متى تمنح ومتى تحتفظ، متى تبذل ومتى تمسك، هي أن تدرك أن تقدير الذات ليس أنانية، بل هو الأساس الذي يُبنى عليه العطاء السليم. لا تُطلب من الشمعة أن تحترق من طرفيها كي تُضيء، بل أن تشتعل بتوازنٍ يكفل لها الاستمرار في العطاء ويحفظ لها وهجها ويديم أثرها. وكذلك الإنسان، أعظم هبة يقدمها للوجود أن يبقى سليماً قادراً على العطاء، لا أن يتلاشى اليوم ليغدو غداً باحثاً عمن يسنده.فليكن عطاؤنا واعياً، لا انعكاسياً، مُتجهاً نحو الامتلاء لا نحو الفراغ، نابعاً من قناعةٍ راسخة، لا من رغبةٍ في استحسان، حينها فقط نكسر دائرة الاستنزاف، ونحول مسار العطاء إلى نبع يروي الواهب قبل الموهوب له.فلنضغط هذا الأسبوع زر «ريستارت» لا لنعود إلى الوراء، بل لنعيد برمجة قلوبنا على حكمة تحفظ اتزانها، فأسمى العطاء لا يطفئ شعلة الواهب بل يزيدها توهجاً؛ يبدأ من صون الروح لا من استنزافها، نعطي كما تعطي الشمس من وفرة لا تنضب، وكما يفور النبع من ذاته، ليكون عطاؤنا شاهداً على قوة في داخلنا لا طلباً لاعترافٍ من حولنا، ونبلاً يحررنا لا واجباً يرهقنا.فلنعطِ لنمتلئ لا أن نحترق لنُضيء.
مقالات - اضافات
ريستارت للحياة: سخاء يَستنزف القلب
25-12-2025