لم تكد تُلملم بقايا الفرح، حتى جاء الخبر صادماً، طلاق بعد فترةٍ وجيزة من الزواج، عُرسها كان حديث الجميع، فستانها، تفاصيل الحفل، التصوير، وكل ما يسبق ليلة الزفاف، كانت مشغولة بكل شيء، إلا بالشيء الأهم، لم تحضِّر نفسها، ولا عقلها، ولا وعيها للمسؤولية الجديدة، ولا لفكرة الشراكة الحقيقية مع شريك حياة سيشاركها الأيام، لا الصور فقط، قِصَّة تتكرَّر بصيغٍ مختلفة، لكنها تكشف جوهر المشكلة نفسها.

في مجتمعاتنا، لا يزال الزواج يُختزل في كونه حدثاً اجتماعياً لامعاً، أكثر من كونه مشروع حياة طويل النَّفَس، نُخطط للحفل بدقة، ونغفل التخطيط للعلاقة، نُتقن اختيار التفاصيل الخارجية، ونتجاهل ما سيحكم الداخل لاحقاً. وربما ما يجعل هذه القصص مُوجعة، هو أنها لم تعد استثناءً، فوفق بيانات رسمية صادرة عن وزارة العدل الكويتية خلال السنوات الماضية، سجَّلت حالات الطلاق نِسباً مرتفعة قاربت أو تجاوزت نصف عدد الزيجات في بعض الأعوام، وهو مؤشر لا يمكن فصله عن غياب الاستعداد النفسي والمعرفي قبل الزواج.

فالزواج هو شراكة نفسية وعقلية قبل أن يكون إطاراً اجتماعياً، ينجح حين يشعر كل طرفٍ أن وجود الآخر يُوسِّع حياته، ويدفعه للنمو والتطور، لا أن يُثقله بالقيود، أو يتحوَّل إلى عقبةٍ في طريقه. فالزواج لا يصلح أن يكون مساحةً لتغيير الآخر أو «تربيته»، لأن كل إنسان يأتي مُحمَّلاً بتكوينه، وقِصَّته، وحدوده، لا أحد ينقذ أحداً، ولا أحد يُعاد تشكيله بالقوة، وكل علاقةٍ صحية تبدأ من القبول الواعي، لا من الوهم.

Ad

قادتني الصُّدفة في معرض الكتاب إلى جناح وزارة الشؤون الإسلامية، عن مشروعٍ حكومي هادف مجاني بالكامل لم أسمع به من قبل، ويستحق أن يُسلَّط عليه الضوء، حيث التقيت الاختصاصية النفسية أنوار الزيد، للتعرُّف على مشروع أكاديمية الحياة الزوجية التابعة لإدارة التنمية الأسرية بوزارة الشؤون الإسلامية. أوضحت لي ماهية الأكاديمية، ودورها، وأن المشروع جاء استجابةً لحاجةٍ مجتمعيةٍ حقيقية، بعد ملاحظة أن الكثير من الخلافات الزوجية لا تعود إلى سوء نية، بل إلى غياب الفهم والمهارات الأساسية لإدارة العلاقة.

تقدِّم الأكاديمية برامج تأهيلية وتوعوية تستهدف المُقبلين على الزواج، والمتزوجين من الجنسين في مراحل مختلفة، وتركِّز على مفاهيم الشراكة، وتحمُّل المسؤولية، وفهم الاختلاف، وبناء التواصل الصحي، وإدارة الخلاف بطريقةٍ لا تهدم العلاقة. 

الفكرة، كما شرحت، ليست صناعة زواجٍ مثالي، بل تمكين الأفراد من أدوات واقعية تُساعدهم على فهم أنفسهم والآخر بشكلٍ أعمق. وحقيقة مثل هذه المبادرات تجعل المُقبلين على الزواج على درجةٍ من الوعي والثقافة، لكونها مع مختصين، ويمكن الوصول والاستفسار أكثر عبر أرقامهم المُتاحة بالإنترنت.

إن الزواج، في جوهره، ليس محطة وصول، بل بداية طريق، وليس اختبار تحمُّل، بل رحلة تعاون، رحلة لا تنجح بالشكل، ولا بالاحتفال، بل بالوعي، والدعم المُتبادل، والمودة، والرحمة، والاحترام قبل كل شيء، وربما آن الأوان أن نُعيد ترتيب أولوياتنا، فنستثمر في عقولنا قبل الفستان، وفي المعرفة قبل الحفل، لأن ما بعد الزفاف هو الحياة... بكل ما تحمله من تفاصيل حقيقية.