اعتمدت دولة الكويت، أخيراً، أوراق السفير اللبناني غادي الخوري، كأول سفير لبناني يُعيَّن في البلاد منذ 9 سنوات، بعدما كان السفير د. خضر حلوة آخر من شغل هذا المنصب، والسفير أحمد عرفة آخر من مثّل لبنان كقائم بأعمال السفارة، ولكّل ممن ذُكر مكانته في قلوب الكويتيين وأفراد الجالية اللبنانية.
ورغم سنوات الفتور التي شهدتها العلاقات اللبنانية - الخليجية، لم تتردد دولة الكويت - عند أول فرصة - في فتح أبوابها مجدداً أمام الدبلوماسية اللبنانية في أعلى مستوياتها، وذلك كتأكيد صريح ومستمر على أن العلاقة التي تجمع البلدين الشقيقين ليست عابرة ولا طارئة، بل هي جامعة للروابط الأخوية بالتقارب الاجتماعي والثقافي والاقتصادي.
فالجالية اللبنانية في الكويت، بما تحمله من تنوّع وخبرات وسجلّ نظيف، لطالما شكّلت جسر تواصل وبصمة مشرقة في مختلف القطاعات التنموية، بما يؤكد أنّ الشعبين الكويتي واللبناني أقرب إلى عائلة واحدة تتشارك التحديات والتطلعات. وفي المقابل، لم تقتصر المقاربة الكويتية للعلاقة الأخوية مع لبنان عند حدود الدعم السياسي أو المساعدات الإنسانية أو تبادل المنافع، بل تجاوزتها إلى وجدان الناس، إذ ارتبط الكويتيون بذاكرة الجبل اللبناني ونسغ مصايفه التي أصبحت بيتاً ثانياً يحتضن كثيراً من العائلات الكويتية، حتى غدا من المألوف أن نسمع أن فلان من «أهل بحمدون»، والآخر من «أهل فالوغا»، في حين أن غيرهما من «أهل حمانا» أو من أهل «عاليه».
**
إذا كان استقبال السفير اللبناني الجديد غادي الخوري قد حمل بُعداً رسمياً في شكله، فإن ما طبع ظهوره الأول في الكويت تجاوز الإطار الدبلوماسي التقليدي ليحمل رسائل اجتماعية، وجدانية، وإنسانية عميقة.
فقد حرص سعادة السفير على أن يكون أول لقاءاته مع مجلس الأعمال اللبناني في الكويت، الذي يضمّ نخبة من نساء ورجال الجالية اللبنانية العاملين في القطاعات المهمّة كافة، مبدياً رغبته وحرصه على أعلى درجات التنسيق والتعاون مع وجوه الجالية اللبنانية وطاقاتها الشبابية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية.
من جانب آخر، بدا واضحاً أنّه لا يريد أن يكون مجرّد ممثل رسمي يكتفي بالبروتوكولات، بل اتجهت إرادته بشكل واضح، منذ البداية، الى اتّباع أرقى نهج في الدبلوماسية اللبنانية تجاه الكويت، وعنوانها بناء علاقة حقيقية ومتينة مع الدولة الشقيقة، ومع المجتمع الكويتي بوجه عام.
فإلى جانب قناعته الراسخة بـ «الدبلوماسية الثقافية»، التي كانت ولا تزال القاسم المشترك الذي يقرّب اللبنانيين من أشقائهم العرب عامة والكويتيين خاصة، أدرك السفير الخوري سريعاً أن الديوانية الكويتية ليست مجرد حيّز للقاء الاجتماعي، بل هي مؤسسة قائمة بذاتها، تختزن روح الكويت السياسية والاجتماعية والثقافية، فسارع الى أن يضع زيارتها على رأس أولوياته، مؤمناً بخصوصية المجتمع الكويتي، وراغباً في أن يكون قريباً من نبضه الحقيقي.
**
من منطلق ما سبق، فإن عودة التمثيل الدبلوماسي إلى مستواه الطبيعي لا يمكن قراءتها إلّا كخطوة نحو ترميم الثقة واستعادة الحوار المؤسسي على أعلى مستوياته، بما يعكس إرادة الطرفين في صون العلاقة الأخوية من أي تصدّع عابر.
ومما لا شكّ فيه أن الكويت، الدولة التي عُرفت بدبلوماسيتها المتوازنة، تعطي عبر هذه الخطوة إشارة واضحة إلى أن لبنان لا يزال في قلب الاهتمام، ويعوّل على دوره الإيجابي المعتاد في محيطه العربي. كما أن لبنان الذي عُرف بانفتاحه وتعلقّه بأشقائه العرب يُظهر حرصه على أن يبني مرحلة جديدة في علاقاته مع الأشقاء عنوانها العريض «الشراكة في التنمية».
* كاتب ومستشار قانوني