تقرأ مسرحية «حوش عطوان» النص الإنساني في مفتاحٍ قاسٍ يجمع بين المأساة والأمل، وتُعرض كمحاكاة لشرارةٍ صغيرة تتحول إلى اشتعالٍ في نسيجٍ اجتماعي ضيق. النص الذي كتبته فاطمة المسلم يبتكر فضاءً مسرحياً مكثفاً: الحوش ليس مجرد مكان، بل كيانٌ ورثته شخصية «هنية» (هند البلوشي)، ويمثّل التاريخ والسلطة والموارد المتنازع عليها. هذا الحوش يتحول إلى ساحة رمزية لصراعٍ على الامتلاك والهوية، حيث يصبح الطمع البشري قوةً عقابية تُبدّل وجوه الأطراف وتفضح أسرارهم.

تسير رؤية المخرج علي العلي في مسارها الجديد نحو المسرح الأكاديمي بجرأة واضحة؛ فعودته بعد غياب تُقرأ كخيارٍ لاستعادة لغةٍ مسرحية دقيقة تعتمد على بناء الشخصيات ومكونات العرض المسرحي التقليدية، لكن مع حسٍّ عصري في إبراز التوترات النفسية. اختياره لهند البلوشي كممثلة وحيدة نسائياً في العمل لا يبدو اعتباطياً؛ فدور «هنية» يطرح التعقيدات النفسية للمرأة الوصية والصالحة والمنافقة في آنٍ معاً — امرأة وصولية تستخدم الضعف كأسلوب لاقتحام المشهد ثم تتحول تدريجياً إلى أفعى تلتف حول المكاسب، وتعطي البلوشي للدور تماسكاً درامياً يجعل من تحوّل الشخصية عملية مقنعة، لا نزهة استعراضية.

إبراهيم الشيخلي في شخصية «ضياء» يقدم عكس التوقع: خادم ظاهر ساذج، لكنه في باطنه محاور ذكي، تمثيله يرتكز على لعبة الخفاء والانكشاف، إذ إن ادعاء العجز يصبح أداة من أدوات القوة. هذا التفكيك للشخصية يرفع من وتيرة الصراع ويمنح النص بعداً مفاجئاً؛ فالضعف الظاهر يتحوّل إلى استثمارٍ استراتيجي، أما مشاركة عبدالمحسن العمر بدورٍ محوريٍ لكنه قصير (عطوان) فتعطي للمشهد الافتتاحي ثقلاً تاريخياً: رحيله هو المحرك الذي يطلق الصراعات، وهو تذكير بأن غياب السلطة يحمل في طياته فراغات قابلة للامتصاص بالقوة أو الخديعة.

Ad

العمل التمثيلي للفريق يمتد إلى أسماء داعمة لها دور بطولي في التشكيل العام: المساعد خالد، أحمد يوسف، حامد النصار، محمد البصيري، حمد الكندري، الذين يُنْهِضون أرضية الصراع الجماعي ويحوّلون الحوش إلى جهاز اجتماعي يتنفس عبر تفاصيل صغيرة — هم حبال العرض التي تتيح للنص أن يتحرّك بوزن. إنتاج شركة أرينا للإنتاج الفني والمسرحي يظهر التزاماً بعملٍ احترافي يراعي اشتراطات المشهد المسرحي في الدسمة، من ديكورٍ ضيقٍ يضغط على الأجساد إلى إضاءةٍ تبرز التحولات النفسية.

ثيمات العمل بسيطة في الظاهر لكنها معقّدة في البنية: الطمع كقوةٍ تحوّل الناس إلى موازينٍ غير عادلة؛ الخداع كآلية للتسلل؛ والهوية كقناصٍ يحدد من يستحق البقاء ضمن نظامٍ اجتماعي متهاوٍ. في الوقت ذاته، لا يخلو النص من ومضات أمل — شخصيات صغيرة تقاوم أو ترفض الانزلاق الكامل — ما يمنح النهائي مدلولاً مزدوجَ الطبقات: هزيمةٌ ممكنة، أو انتصارٌ هشّ.

قدّم «حوش عطوان» قراءة اجتماعية مُركّبة، لا تُدين الطمع فحسب بل تكشف آلياته، وتفكك علاقة الضعف بالقوة، والسلطة بالأقنعة. إنها مسرحية تحفّز على التفكير، وتقدّم مادة درامية مشغولة بحرفية، وتطرح أسئلة أكثر مما تمنح إجابات، وهو ما يجعلها واحدة من أبرز عروض مهرجان الكويت المسرحي الـ ٢٥، على مسرح الدسمة.

وفي الجانب الفني، شارك في صناعة العرض كل من الدكتور فهد المدن الذي تولّى تصميم الديكور والإضاءة، وهاني عبدالصمد في تصميم المؤثرات الصوتية والموسيقى، بينما اهتمت حصة العباد بالأزياء، وتولت فاطمة المسلم الإشراف الإداري والإنتاج، وقدّمت استقلال مال الله لمساتها في المكياج، وأشرف علي الخميس على إدارة خشبة المسرح، وتصدى نواف الشرف لتصميم البروشور، وكان جابر محمدي المشرف العام على العمل، أما فريق الإخراج فقد ضم المخرج المنفذ إبراهيم القلاف، إضافة إلى مساعدي المخرج رتاج سليمان وعبدالله البصيري الذين أسهموا في ضبط إيقاع العرض وإنجاز تفاصيله التنفيذية.