أربعون يوماً مرت على وفاة الشاعر الزجلي طليع حمدان، ليطوي برحيله صفحة ملأها بذاكرة ثرية من بحور هذا الفن الشعبي الذي شكل ذاكرة لبنانية، عبرت إلى الكثير من البلدان.

مع رحيل طليع حمدان، نكون قد ودعنا رابع شعراء المنبر الذي انطلقت منه إحدى أهم الحفلات في تاريخ الزجل اللبناني عام 1992 هنا ذات يوم على أرض الكويت الحبيبة، بحفل أقيم ضمن خيمة كبيرة بين كل من جوقة زغلول الدامور، المؤلفة من الشاعرين الراحلين جوزيف الهاشم (زغلول الدامور) وزين شعيب، وبين جوقة الربيع المؤلفة من الشاعرين الراحلين طليع حمدان وخليل شحرور.

وعوداً على ما تم ذكره، فإن حفلة الكويت عام 1992 تعتبر إحدى أهم الحفلات بتاريخ الزجل اللبناني، وذلك يرجع إلى عدة أسباب:

Ad

1 - أهمية أسماء كل من الزجالين في الجوقتين، نبدأ هنا مع:

أ- زغلول الدامور، أحد أهم الأسماء التي عرفها المنبر الزجلي. اشتهر بجمال صوته ومفرداته البسيطة التي تمكن بواسطتها من رسم صور شعرية رائعة. سافر إلى أكثر من مئة وعشرين بلداً حاملاً معه هذا الفن اللبناني، وشكلت الكويت جزءاً مهماً من جولاته في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.

ب- زين شعيب، شاعر لا يشق له غبار في مجال هذا الفن الارتجالي. مؤلف للكثير من الأغاني التي أداها كبار الفنانين، مثل نجاح سلام وصباح ووديع الصافي. أيضاً غنت من كلماته السيدة فيروز، أطال الله في عمرها.

ج- طليع حمدان، بنبوغ عبقريته التي مكنته من فرض حضوره، في سن مبكرة، شكل حالة إبداعية بين شعراء الزجل بمختلف أجيالهم، فاستحق لقب «شاعر المنبرين».

د- خليل شحرور، بإحساسه المرهف وحضوره الدافئ والمحبب وذكائه وسرعة بديهته.

2 - الحفل الذي تم تصويره بطريقة تلفزيونية احترافية، بواسطة شركة الحزام الأزرق، التي كانت حينها مكتبة فنية ثقافية قبل دخولنا إلى عالم الإنترنت.

3 - المواضيع المتنوعة التي تطرق الشعراء لها، فما بين تحية إلى الكويت البلد المضيف لهذا الحفل، إلى الغوص في عمق التاريخ والقضايا الإنسانية والاجتماعية، إلى هموم الحرب في كل من فلسطين المحتلة ولبنان، ضمن صور شعرية رائعة بقيت خالدة في ذاكرة محبي هذا الفن التراثي.

نعم، تردد في هذا الحفل ذكر الكويت، هذا البلد العظيم الذي كان سباقاً منذ مطلع القرن العشرين بتأسيس الصحف والمجلات، التي شكلت قيمة معرفية، وكانت داعماً كبيراً في وقت لاحق لنشاط الحركة الأدبية، التي استقطبت النخب الثقافية والمعرفية. فعلى سبيل المثال حققت حفلة الراحل وديع الصافي التي قدم فيها أغنية «بترحلك مشوار» شعبية كبيرة في الكويت، وأداها الفنان غريد الشاطئ في جلسة شعبية سجلت للتلفزيون، كما ورد في ال «بروشور» الذي يضم أنشطة مركز الشيخ جابر الأحمد الثقافي، بمناسبة فعاليات مهرجان الموسيقى الخامس والعشرين الدولي، فكانت أغنية «بترحلك مشوار» عنواناً لتجربة جديدة في الموسم الثقافي 2025- 2026 قادها الملحن اللبناني ميشال فاضل.

قد لا تتسع عشرات المقالات للإحاطة بهذا الإرث الحضاري الذي تمكنت الكويت من تحقيقه ونشره في ذاكرة الكثيرين على امتداد الوطن العربي، لكن في الختام دعونا نتذكر مطلع قصيدة الافتتاح للشاعر طليع حمدان في حفلة الكويت تغزلاً بهذا البلد الجميل:

يا كويت يا حلوة يا مهضومة/ي/

ياما لعرس المجد معزومة/ي/

أكتر ما مغروم النحل بالشهد

فيكي الشمس يا كويت مغرومة/ي/