تناولنا في الجزء الأول من هذا المقال، كيف كان كتاب الباحث حمد الحمد «يوميات أسابيع الغزو» مساهمة قيمة في دراسة العدوان العراقي على الكويت، وفي هذه السطور نستكمل استعراض ما تضمنه هذا الكتاب.

فمن الصامدين الذين عرض الكتاب تجربتهم د. ياسين طه ياسين الإبراهيم، أستاذ الإعلام في جامعة الكويت، والمتقاعد عام 2022، يقول في شهادته: «أنا رفضت الخروج، وقلت أنا وحظي وما سيكتب لي، وسأبقى في الكويت، وكذلك والدي ووالدتي وأخوتي لم يخرجوا حتى التحرير. رغم أن أخي قبض عليه وتم حجزه ولكن والدي راح لهم وكان متحدثاً جيداً، وتمكن من إطلاق سراحه، أما بخصوص أهلي فلم أعرف عنهم شيئاً إلا بعد التحرير، فقد كانوا في لندن عند والد زوجتي، حيث كان يملك شقة هناك«.

مرزوق البدر، الموظف في وزارة المواصلات آنذاك، يقول في شهادته: «يوم الخميس كنت نائماً صباحاً. جاءني اتصال من أخت زوجتي قالت مباشرة: مادريتوا... العراقيون دخلوا الكويت. بعد نصف ساعة اتصلت مرة ثانية، حيث تأكد لها أننا لم نستوعب الأمر، وقالت لي بصوت مختلف: أقول لكم العراقيين هنيه -أي هنا-... وصلوا شارع فهد السالم يتمشون، وزوجي ضابط في الشرطة وراح وشاف الوضع بعينه، ورجع بعد أن نزع ملابسه!».

Ad

شهادة أحمد حسين الوزان، العسكري المتقاعد في سلاح الطيران:»في يوم الخميس قامت زوجتي بإيقاظي من النوم، وأبلغتني أن العراق غزا الكويت، بعد أن سمعت أصوات الطيران. يوم السبت صباحاً، توجهنا إلى المخازن، كون خالي جاسم الوزان مؤسس الشركة، وهو من أكبر تجار المواد الغذائية في الكويت، وقد توفي قبل الغزو عام 1989، وبعد الوصول إلى المخازن في الشويخ الصناعية اجتمع خالد الوزان مع المديرين وقال لهم: شوفوا كل ما نملكه في المخازن ليس لنا إنما لأهل الكويت، فتحنا المخازن وتم توزيع المتوفر والموجود بالبطاقة«.

كتاب الحمد لا يخلو من بعض جرائم أعوان صدام، حيث كان هناك ولدان عمرهما بحدود عشر سنوات أو أقل لديهما علبة صبغ بالرش، وراحا يكتبان بها على حائط مدرسة «يسقط صدام». أخذتهما سيارة جيب عراقية، وسألهما عن اسميهما وعنوان السكن فأجابا ببراءة، فقالت لهما الاستخبارات «سنأخذكما إلى أهلكما»، وعندما وصلا إلى المنزل وخرجت والدتهما تم إطلاق الرصاص عليهما، وطلب الجند من والدتهما التي أصيبت بحالة هستيريا «أن تتركهما كم ساعة حتى يكونا عبرة للآخرين»!

شهادة عدنان محمد الجيعان، من وزارة الداخلية، تتضمن تفاصيل بداية أو إحدى بدايات المقاومة، يقول: «كنت معتاداً على الذهاب إلى الدوام بعد أن أصحو من النوم، لكن تلك الأيام تحت الاحتلال لم نكن نعرف ما نفعله، نحن صحونا دون هوية وكيان، أصبحنا لا نعرف قيمة الوطن إلا بعد أن فقدناه». 

تم تأسيس أول خلية للمقاومة، وبدأ أول اجتماع، ودخلنا مرحلة التطوع، طرحت فكرة أن نذهب إلى جامعة الكويت في العديلية، حيث مكائن طبع الكتيبات... الناس خائفة من موضوع الكيماوي، وكانت مجموعات أخرى كذلك توزع منشورات ولكن لا نعرفها.

الكتاب يتضمن الكثير عن تطوع ونضال الشخصيات النسائية، وهو جانب تمت تغطيته في الكثير من الكتب والمنشورات والمقالات والمقابلات، ومنها كذلك إشارة الكتاب إلى السيدة دلال المشعان والسيدات العاملات في دور الرعاية التي تعتني بمجهولي الأبوين والمسنين وكانت المباني «فلتانة»، لا حرس على الأبواب، ومكاتب المبنى مفتوحة! 

عرضنا على المتطوعات العمل في دار الرعاية، ووافقن دون تردد، وعند كل صباح كان يمر باص على منازل المتطوعات يقوده شاب أردني يعمل لدى «شركة العرفج»، وآخر الدوام يقوم بإرجاعهن في الباص التابع لنفس الشركة إلى بيوتهن في المساء. البنات استلمن الفتيات «مجهولي الوالدين» من عمر أشهر إلى 26 سنة، والأولاد حتى 14 سنة، يبقون عندهم ويطلقون عليهم «اخواننا»، وبعد هذا العمر ينقلون إلى دار الفتيان في مكان آخر. وكان عندنا شباب يذهبون إلى كبار السن يقصون أظافرهم ويحلقون لهم ويعتنون بهم.

الكتاب يشيد بدور السيدة هيفاء النكاس، ويقول الجيعان: «هذه البنت بطلة عجيبة. هيفاء امرأة قوية».

وفي شهادة السيدة جميلة سيد علي، الأديبة المعروفة ومن الصامدات، تقول: «كنت أنا وزوجي في أميركا، فهو طیار عسكري، وكان في دورة تدريبية، ورجعنا قبل الغزو بأسبوع. اتصل بهم يوم الغزو آمر القاعدة الجوية، وسمعت السيدة زوجها يقول له: نعم سيدي... نعم سيدي، ثم أغلق الهاتف والتفت نحوي قائلاً: هذا آمر القاعدة... ويطلب مني الالتحاق حالاً... لكن لا تقلقي... المسألة بين أشقاء، وستحل سريعاً».

كانت السيدة جميلة حاملاً في الشهر الأخير، وذات ليلة كان الوضع فيها صعباً جداً جداً أتتني أعراض الولادة في وقت متأخر من الليل، ولكن الخروج من المنزل كان بالغ الخطورة وانتظرت حتى الفجر، وعندما وصلنا إلى المستشفى لم نجد أطباء لأن أكثرهم غادر البلاد، ولكنها ولدت في النهاية يوم 20 سبتمبر لتصبح المشكلة تأمين الحليب... وهكذا.

وذات يوم وفيما كنت أصلي الفجر، تقول: «شاهدت من الدور الثاني السيارات مسرعة على الطريق السريع، وكان صوتها مدوياً، ولا أعرف إلى أين تتجه، وإذا بي أسمع صوت أحد الجنود يصرخ مخاطباً زملاءه: انسحاب... انسحاب... انسحاب».

وكما هو الحال مع أكثر من كتاب من كتب الحمد، يبقى الكثير من الأحداث التي لا مجال لعرضها وتغطيتها!