لن يكون يوم رحيل العم أحمد يوسف النفيسي يوماً عادياً في تاريخ الكويت، فهو ليس مجرَّد اسم، بل رمز من رموز العمل الوطني والصحافي، الذي ترك بصمة عميقة في مسيرة النضال الوطني.

أبوبدر، الذي كان صوتاً مُدافعاً عن القضايا الديموقراطية والقومية، سواء من خلال عمله الصحافي في جريدة «الطليعة»، أو دوره البرلماني كنائبٍ في مجلس الأمة عام 1971، حيث كان له دور بارز إلى جانب رفاقه الوطنيين، منهم: د. أحمد الخطيب، وعبدالله النيباري، في قضايا مصيرية، أبرزها: تأميم النفط الكويتي.

بدأت رحلة أحمد النفيسي مع العمل الوطني في أوائل الستينيات، عندما انضم إلى جريدة «الطليعة» عام 1963، بعد عودته من الولايات المتحدة، حيث كان يدرس.

Ad

«الطليعة»، التي كانت منبراً للحركة الوطنية الديموقراطية، وجد فيها النفيسي المكان الذي يعبِّر عن طموحاته الوطنية. ساهم في تحريرها، ورسم الكاريكاتير، وكتب تحت أسماء مُستعارة في البداية، حاملاً هموم الوطن، وطامحاً لإصلاحٍ سياسيٍ واجتماعي.

لم تكن «الطليعة» مجرَّد صحيفة بالنسبة له، بل كانت منصة للدفاع عن الحُريات العامة، ومواجهة التحديات السياسية، حتى واجهت الإغلاق المتكرِّر، بسبب مواقفها الجريئة، وتحمَّل لسنوات طويلة مهمة مراجعات الأجهزة الأمنية والقضائية دفاعاً عن الكلمة.

ورغم التحديات، بما في ذلك توقف «الطليعة» عن الصدور بعد تزوير انتخابات 1967، وحل مجلس الأمة عام 1976، عاد النفيسي مع رفاقه لإحيائها في 1970، بعد بيان الأمير الراحل جابر الأحمد، رحمه الله، والذي دعا فيه إلى انتخابات نزيهة.

كان دوره كرئيس تحرير «الطليعة» لاحقاً تجسيداً لروح المقاومة الصحافية، حيث واجهت الصحيفة ضغوطاً سياسية ومالية، لكنه استمر في جعلها صوتاً وطنياً لا يهادن.

وفي عام 1971، ترشح النفيسي عن الدائرة السادسة (القادسية)، ليُصبح نائباً في مجلس الأمة. إلى جانب زملائه: أحمد الخطيب، وعبدالله النيباري، وسامي المنيس، شكَّل النفيسي جزءاً من تيارٍ وطنيٍ قوي دافع عن قضايا الشعب. كان تأميم النفط الكويتي أحد أبرز إنجازات هذه الفترة.

لعب النفيسي إلى جانب الخطيب والنيباري، دوراً محورياً في الدفع نحو استعادة السيادة على الموارد الوطنية.

في عام 1974، صدَّق مجلس الأمة على اتفاقية المشاركة، التي منحت الكويت 60 في المئة من ملكية شركة نفط الكويت، وهي خطوة مهَّدت للتأميم الكامل في مارس 1975. كانت هذه الجهود تعكس رؤية وطنية تهدف إلى حماية ثروات الكويت من هيمنة الشركات الأجنبية.

لم يقتصر دور النفيسي في مجلس الأمة على التشريع، بل امتد إلى الرقابة البرلمانية، وشارك في استجواب وزير المالية والنفط عبدالرحمن العتيقي مع النائبين سالم المرزوق وعبدالله النيباري، حول قضايا تتعلَّق باحتياطي النفط والكوادر الكويتية في القطاع النفطي، وأيَّد استجواب وزير التجارة خالد العدساني، بسبب ارتفاع الأسعار وتطبيق قانون الشركات. هذه الاستجوابات عكست التزامه بمُحاسبة السُّلطة التنفيذية، وتعزيز الشفافية.

كذلك طرح النفيسي مسألة الاعتداءات على أراضي الدولة، واستخدام بعض ضِعاف النفوس لأوراق مزوَّرة لاكتساب وإثبات ملكية بعض الأراضي. وبالفعل، تم التحقيق في الموضوع، وأقر بوجود تجاوزات، لكنها انتهت باتهام فراش البلدية ومعاقبته!

كما لم يفوِّت أبوبدر المبادرة بتأسيس المنبر الديموقراطي كأول تيار سياسي بعد الغزو الغاشم، ونال باستحقاق شرف التأسيس، وظل داعماً ووفياً للمنبر الديموقراطي إلى آخر أيام حياته.

لم يكن النفيسي مجرَّد نائب أو صحافي، بل كان رمزاً للنضال الوطني الذي امتد منذ الثلاثينيات، مروراً بدستور 1962، وصولاً إلى مواجهة التحديات السياسية في السبعينيات.

دوره في «الطليعة» ومجلس الأمة يجسِّد روح الإصرار على الحفاظ على الهوية الدستورية، والدفاع عن الحقوق والنظام الديموقراطي.

رحيله لن يكون مجرَّد خسارة شخصية، بل خسارة لجيلٍ كامل حمل مشعل الوطنية في أوقات عصيبة.

إن إرث أحمد النفيسي سيظل حياً في ذاكرة الكويت، من خلال «الطليعة»، التي كانت صوت الحُرية للمنطقة بأسرها، وفي تأميم النفط الذي أعاد للكويت سيادتها، وفي الاستجوابات التي عزَّزت الرقابة البرلمانية، وفي المنبر الديموقراطي الذي مثَّل تطلعاته السياسية.

إنه رحيل رمز لن يُنسى، وسيبقى اسمه محفوراً في تاريخ الكويت الوطني.