أساس مشكلة العرب مع إسرائيل هي القضية الفلسطينية، ومشكلة إسرائيل مع العرب أنها لا تريد السلام معهم، على الأقل منذ قبولهم بها واستعدادهم للاعتراف بدولتهم بعد مؤتمر القمة العربي في بيروت عام 2002، أي قبل ثلاث عشرة سنة ثم رفضها الدائم لحل الدولتين!

فالتطبيع، أيا كانت مسمياته، لم يسهم في وضع أي حل عملي مقبول للقضية الفلسطينية، بل إن حكومة نتنياهو وقبلها حكومة مناحيم بيغن نجحتا في خرق الجدار العربي، ومازالت حكومة نتنياهو تمعن في تمزيقه وتشتيته وهي من أشد الحكومات اليمينية تطرفاً.

Ad

إسرائيل اليوم «دولة يهودية» وعلى المسطرة التوراتية، وبكل ما تحمله الكلمة من معنى، هي قالت للعالم وعبر الكنيست إن «دستورنا» يقوم على يهودية الدولة وبدون حدود جغرافية مرسومة أو معروفة؟

لهذا أَلبَسَت تل أبيب «الاتفاقات الإبراهيمية» غطاءً دينياً بحتاً إمعاناً في الخداع والتضليل، وراحت ترسم خرائط جغرافية على هواها، وبرعت في تسويق هذه المشاريع، وعينت أحد مفكريها، ويدعى شاؤول عوز على رأس «الحركة الإبراهيمية للسلام»، وصرنا نسمع عن صلوات مشتركة وعبادات مشتركة وإخوة إنسانية!

أعادوا قراءة النص الديني، ووجدوا أن العامل المشترك عند شعوب هذه المنطقة هو سيدنا إبراهيم عليه السلام، لذلك تم توظيف الدين لغرض سياسي بحيث تتوسع وتهيمن إسرائيل على الأرض الفلسطينية ومعها الإرث التوراتي من النيل إلى الفرات تحت راية «السلام الإبراهيمي».

خلاصة ما توصلت إليه الباحثة هبة جمال الدين، أن «الإبراهيمية» مصطلح ديني استخدم لاتفاق سياسي، بهدف إسباغ صفة القداسة عليه وتناسى جوهر الصراع الفلسطيني وهو الأرض والشعب.

أخطر ما في الأمر خلق ما يسمى وثيقة «الولايات المتحدة الإبراهيمية» على النموذج الأميركي التي خرجت من مركز أبحاث بيئي في جامعة فلوريدا، وفيه توزيع جديد لخريطة الموارد والمتمثلة في البترول والغاز والمياه والأرض، وانتهت للقول إن من يملك الموارد يفتقد إدارة حوكمة الموارد ولا قدرات تكنولوجية لديه، لذلك أوصوا بقيام اتحاد فدرالي ترأسه إسرائيل، وتدخل فيه إيران وتركيا تحت عامل مشترك وهو سيدنا إبراهيم عليه السلام!

وبافتراض أن ما تم نقله لا يعدو أن يكون نوعاً من الشطط الفكري واختلاق الأوهام، فماذا عن الواقع على الأرض وحجم موازين القوى اليوم على «خريطة الصراع»؟

بعد سنوات من اتفاقيات التطبيع لم تحدث أي اهتزازات أو حلحلة باتجاه الفلسطينيين؟ لأن الاتفاقيات المبرمة جعلوها بلون ديني من أجل إتمام مصالح مشتركة وعلاقات دبلوماسية واعتراف متبادل، في حين أنه لم يعد بالنفع ولا بأي شيء على القضية الفلسطينية، بل أبعد من هذا، هناك من رمى الكرة في ملعب السلطة الفلسطينية التي لم تستجب لمخرجات الاتفاقيات الإبراهيمية، وكانت حسب زعمهم فرصة لفئة الشباب الفلسطينيين لمطالبة قيادتهم بالاستفادة من تلك الاتفاقيات للتعاون مع دولة إسرائيل لكن ذلك لم يحصل.

العرب عموماً خرجوا من حلبة الصراع في هذا العقد، ولم يعد بمقدورهم أن يقدموا شيئاً يذكر، كذلك حال السلطة الفلسطينية المنهكة والضعيفة التي لا تملك سوى منح التراخيص للصحف والأبنية والمحلات التجارية وجمع الضرائب وتجميع الزبالة من الشوارع، وكذلك تشكيل «الوفود الرسمية» لزيارات الخارج!