محمد نجيب جويفل مبعوث تنظيم الإخوان في الكويت (4-4)

  • 01-12-2021

اهتم الباحثون في تاريخ الإخوان بالكويت بتسليط بعض الأضواء على سنوات تأسيس الجماعة ودور الإخوان المصريين على وجه الخصوص، دون أن يدرسوا العلاقة والدور بشكل تفصيلي أو يجمعوا المعلومات والتفاصيل، أو يقابلوا بعض الشخصيات مثلاً في الكويت ومصر والعراق والأردن وسورية، ممن عاصروها واهتم د.المديرس بالصراع بين جناحي الإخوان فقال: "شهدت جماعة الإخوان المسلمين في الخمسينيات ظهور تيارين متعارضين التيار المعتدل والذي يتزعمه المراقب العام لجمعية الإرشاد الإسلامي عبدالعزيز العلي المطوع والتيار المتشدد وتمثله مجموعة التنظيم الطلابي بقيادة محمد العدساني وأحمد الدعيج وعبدالرحمن العتيقي. وكان لنجيب جويفل دور كبير في توسيع رقعة الخلاف بين التيارين، ويتمثل محور الخلاف في طبيعة الموقف الواجب اتخاذه تجاه مسألة اعتقال قيادات الإخوان في مصر".

(جماعة الإخوان المسلمين في الكويت، د.فلاح عبدالله المديرس، الكويت 1994 ص 20).

ونلاحظ أن د. المديرس يؤكد دور جويفل في التعبئة السياسية دون أن يشير في هذا الموضع إلى الورتلاني، ويتحدث د.المديرس عن الصراع بين تياري الإخوان الذي حسم سياسيا بانتصار التيار المحافظ فيقول: "كان التيار المتشدد يؤيد اتخاذ موقف واضح من النظام المصري في حين كان أنصار التيار المعتدل، وهم يمثلون الأغلبية، يؤيدون الحياد، ولعل السبب يتمثل بالمصالح الخاصة التي تربط بين هذه الأغلبية والنظام السياسي الكويتي، وأن اتخاذ موقف متشدد من النظام الناصري يهدد هذه المصالح بسبب العلاقات القائمة بين الكويت ومصر خاصة في مجال التعليم وغيره من مجالات الخدمات العامة، وقد أدى هذا الخلاف إلى ابتعاد عدد كبير من مؤسسي جمعية الإرشاد الإسلامي عن العمل التنظيمي، كما استقال عبدالعزيز العلي المطوع من موقعه كمراقب عام لجمعية الإرشاد الإسلامي وحل محله عبدالرزاق الصالح، وقد كان لهذا الانقسام أثره الواضح على الجماعة سواء على الصعيد التنظيمي أو الانتشار الجماهيري". (ص 20).

ومن الذين يذكرهم موقع إلكتروني في مقال بعنوان "كيف تسلل الإخوان إلى الكويت" بقلم عمرو النقيب، الإخوان المصريين "زهدي أبو العز والشيخ عبدالعزيز السيسي وحسن أيوب الذين هربوا إلى الكويت بعد مطاردتهم من قبل النظام الناصري".

ويقول د.سامي ناصر الخالدي إنه وبازدياد النشاط العام لفرع حركة الإخوان في الكويت أرسل الفرع الرئيسي في مصر بعضا من قياديي التنظيم بهدف الاستقرار في الكويت أمثال الفضيل الورتلاني الذي أسس تنظيم الإخوان في اليمن عام 1947 ونجيب جويفل وأحمد الشرباصي وأبو الحسن الندوي، حيث ساهموا مساهمة فاعلة في ترسيخ فكر البنا ونهجه عبر اتباع أسلوب التنظيم الهرمي". (الأحزاب الإسلامية ص 163).

لم تمنح التطورات السياسية جماعة الإخوان في مصر وامتدادهم من محازبيهم في الكويت الفرصة لجني ثمار مشاركتهم في حرب فلسطين رغم إشادة الإخوان ومؤيدهم بما أنجزوا فيها وحققوا من مكاسب، ومع انتصار نظام ثورة 1952 وترسخ زعامة الرئيس جمال عبدالناصر وجد الإخوان المصريون أنفسهم وامتداداتهم العربية في أوضاع معادية تماما سرعان ما اصطدمت بهم بقوة بعد 1954 وكانت البيئة الكويتية صاحبة تجربة سلبية مع التشدد الديني وتهديداته عبر تاريخها، وكان المتزمتون من الإخوان النجديين امتدادا للحركات السلفية عبر تاريخ العالم الإسلامي في أماكن كثيرة، في حين كان الإخوان المسلمون المصريون ظاهرة حزبية جديدة تتحرك وفق معطيات وخطط مختلفة مهما قيل عن سلفية الإخوان، كان من سوء حظ الإخوان في الكويت أن تبدأ حركتهم مع انطلاق منافس لا يقل جاذبية للكويتيين وغيرهم وهي الحركة القومية، فكانت الكويت من المناطق المهمة لظهور حركة القوميين العرب، ومن هنا وجد الإخوان والقوميون أنفسهم في صراع.

ويقول د. الخالدي: "من هنا يمكن القول إن فترة الخمسينيات كانت المحطة الفاصلة في تاريخ العلاقات القومية الإسلامية في البلاد، حيث تأثر الإسلاميون سلبا بالصراع الذي حدث بين حركة الإخوان المسلمين في مصر وقادة الثورة كما أسلفنا، والتي أدت إلى تبني حملة إعلامية واسعة من قبل القوى القومية ضد الإسلاميين في معظم أنحاء الوطن العربي بشكل عام والكويت بشكل خاص، حيث ساهمت في سيادة المد القومي على حساب الفكر الإسلامي". (الأحزاب الإسلامية ص 164).

"كان القوميون يضغطون على الدولة الكويتية، وهي قيد التشكيل والتأسيس في اتجاه قومي عروبي، مهاجمين في الوقت نفسه التيار الديني والإخوان المسلمين دون عمق فكري ممنهج فكره السياسي وتحالفاته وبرامجه التي لم تكن واضحة بارزة، كما هي اليوم، في حين يحاول الإخوان التذكير دوما بالشعائر الدينية وخطورة التأثر بالأفكار الغربية وبمخاطر الصليبية وضرورة الوحدة الإسلامية وغير ذلك وربما كنا بحاجة الى الآن إلى دراسة تلك المرحلة بشكل موثق ومعرفة موقف القيادات والنخب الكويتية بما في ذلك مثلا وبخاصة موقف باني الكويت الحديثة ومؤسس حياتها الدستورية الشيخ عبدالله السالم الصباح من التيارين، ويبدو أن تأثير الفكر القومي في تحديث الكويت كان أبرز حتى عام 1970 على الأقل، أي كما يقول د. المديرس بعد هزيمة الخامس من يونيو 1967 وسقوط البرنامج الناصري وتأثر الحركة القومية في الكويت وبقية أجزاء الوطن العربي". (جماعة الإخوان ص27).

ويضيف د.المديرس أن الإخوان لم ينجحوا في الامتداد إلى الوسط العمالي رغم إنشاء قسم لهذا الهدف في الجماعة الناشئة، ويضيف د.المديرس: "سعت جماعة الإخوان المسلمين في الكويت الى صفوف التجار لكن لم يتحمس معظم التجار الكويتيين لهذه الدعوة وكان مصير هذه المحاولة شبيها بمحاولتهم اختراق صفوف العمال في حين وجدت حركة القوميين العرب استجابة من التجار الذين انضموا إلى الحركة، وتحول سوق التجار إلى مركز رئيسي لـحركة القوميين العرب فضلا عن استخدامهم الرابطة الكويتية التي قادت العمل الوطني في تلك الفترة، وهذا بدوره يدل على تنامي الحس القومي لدى أبناء الشعب الكويتي بشكل عام فضلا عن سيطرة التيار القومي حينذاك على الساحة العربية". (جماعة الإخوان ص17).

ويبين د.المديرس أن جماعة الإخوان لم تكتف بالقيادات الإخوانية المصرية وبخاصة الورتلاني وجويفل، بل كانت تستعين في الوقت نفسه بإخوان آخرين. يقول المديرس: "عمدت جماعة الإخوان المسلمين الى ارسال بعض العناصر الحزبية الى سورية ومصر والأردن لتلقي دورات في العمل التنظيمي والتثقيفي والتدريب العسكري من خلال معسكرات فروع جماعة الإخوان المسلمين في تلك الدول". (جماعة الإخوان ص 17).

ويشير الباحث د.هاشم الطائي الى التنافس القومي الإخواني في الكويت خلال هذه المرحلة، ويقول: "على الرغم من قوة التيار القومي الذي برز في الخليج العربي بشكل واضح في الخمسينيات فإن جمعية الإرشاد الإسلامية مارست بقوة نشاطها الدعوي والخيري، فافتتحت مكتبة الإرشاد الإسلامي بإدارة الشيخ يوسف بن عيسى القناعي، ومركز الشباب الرياضي والثقافي، وأقامت الندوات والمحاضرات والحفلات والرحلات والمخيمات الكشفية ونشرت الكتب والأناشيد الإسلامية، ونظمت دورات لتحفيظ القرآن وقيام الليل وصيام الاثنين والخميس، كما استضافت الجمعية العديد من الشخصيات الإسلامية وأبرز الدعاة في العالم الإسلامي لإلقاء المحاضرات والدروس الدينية".

(التيار الإسلامي في الخليج العربي، بيروت 2010، ص 144).

ومما يشير إليه الباحث في الكتاب نفسه عن تأثير بعض نشاطات الإخوان في تلك المرحلة قوله أثارت الدعوة التي أقامها مؤسس تنظيم الإخوان في الكويت عبدالعزيز المطوع في أبريل 1954 احتفاء بالشيخ عمر الداعوق، مرشد الإخوان المسلمين في لبنان التي حضرها جمع غفير من الشخصيات الإسلامية في الكويت وخارجها، أثارت تلك الدعوة حفيظة القنصلية الأميركية في الكويت التي وجدت في تحركات الإسلاميين في الكويت نشاطا يهدد المصالح الأميركية في الخليج". (الصفحة نفسها).

"كان لتلك الأحداث التي عصفت بتنظيم الإخوان في مصر أثر كبير في الانقسام الداخلي الذي تعرضت له جمعية الإرشاد الإسلامية في منتصف الخمسينيات وظهور تيارين متعارضين".

ويضيف د.الطائي عن دور نجيب جويفل والورتلاني: "كان التيار المتشدد يرى ضرورة اتخاذ موقف واضح وصريح من النظام المصري في حين كان التيار المعتدل يفضل الوقوف على الحياد، وثمة من يتهم نجيب جويفل في أنه كان له الدور الكبير في توسيع رقعة الخلاف بين التيارين". ويقول د.الطائي عن جويفل إنه: "عضو قيادي بارز في تنظيم الإخوان المسلمين في مصر، كانت قيادة الإخوان المسلمين قد أرسلته الى الكويت مع عضو مكتب الإرشاد في تنظيم الإخوان الفضيل الورتلاني لتنظيم نشاط الإخوان المسلمين في الكويت وإلقاء المحاضرات التثقيفية الأسبوعية ونشر دعوة الإخوان المسلمين هناك". (ص 145- 146).

ويشير مبعوث الأزهر في الكويت الشيخ أحمد الشرباصي مرارا إلى الفضيل الورتلاني في كتاب الشرباصي "أيام الكويت"، القاهرة، 1953 وينشر صورا للورتلاني مع الشخصيات الكويتية في تلك المرحلة وغير ذلك، ص 401 ،477.

وعن بعض نشاطات الورتلاني الخطابية يقول الشيخ الشرباصي: "زرنا مع الضيوف النادي الثقافي القومي ولم نلق كلمات بل كان حديثا مشتركا، ثم ذهبنا الى جمعية الإرشاد، حيث ألقى الأستاذ الفضيل الورتلاني محاضرة فياضة عن الدعوة الإسلامية، وقد أثنى السامعون على المحاضرة كثيراً". (ص 474)

كما زار الشرباصي مع الورتلاني في شهر يناير منطقة كاظمة شمالي الكويت مرافقين للدكتور عبدالوهاب عزام الذي كان في زيارة للكويت، كما يروي الشرباصي تفاصيل وصول الورتلاني الى الكويت حيث كادت الطائرة أن تتعرض لحادث خطير بعد توقف إحدى مراوحها، فيقول الشرباصي: "وقبل وصول الطائرة بربع ساعة علمنا أن أحد محركيها قد توقف وأنها تسير بمحرك واحد، وبعد دقائق لاحت في الجو ثم هبطت حتى لمست الأرض، وفجأة توقف المحرك الآخر فلم تدرج الطائرة متراً واحداً... يا لقوة الأقدار وحكمتها، وذهبنا بالسيارات إلى مكان الطائرة، واستقبلنا القادمين فإذا الشيخ محمد البشير الإبراهيمي لم يحضر لمرضه، وحضر الأستاذان الفضيل الورتلاني وحسن العشماوي". (ص 473) وليس من الواضح إن كانت تلك أول زيارة للورتلاني في الكويت.

ويقول الشرباصي عن السيد عبدالعزيز العلي المطوع مؤسس جمعية الإرشاد ضمن يوميات الشرباصي في 3/ 12/ 1952: "قضيت وقتا مع السيد عبدالعزيز العلي أستمع الى نظرات فكرية له في القرآن الكريم، فتارة يختط أسلوبا علميا وتارة أسلوبا صوفيا وتارة أسلوبا أدبيا وهكذا". (ص 445).

كان للخطب التي ألقيت في الأماكن العامة أصداؤها، وتسببت في بعض التوتر، ويقول الشرباصي: "نتيجة لأصداء مختلفة لبعض الخطب التي ألقيت في بعض الاحتفالات العامة، وتجنبا لما قد يحصل في المستقبل من جراء مثل هذه الخطب أصدر رئيس الأمن العام بلاغا للأندية والجمعيات، قرارا بوضع جميع الخطب والمقالات التي تلقى وتكتب تحت مراقبتها".

وفي يومياته 22/ 12/ 1952 يقول الشيخ الشرباصي: "أبلغني السيد عبدالعزيز العلي أنه تفاهم مع رئيس الأمن العام على السماح لجمعية الإرشاد بإلقاء دروسها ومحاضراتها وإذاعاتها بدون مراقبة، وقد أخذت الجمعية تستعيض بإخواننا المحاضرين الفلسطينيين والسوريين عن العلماء المصريين لإلقاء المحاضرات في المساجد والإذاعة ودار الجمعية". (ص 454).

إن الحاجة ماسة إلى تجميع المعلومات حول بدايات الجماعة وبقية الحركات الإسلامية، وقد لاحظ الباحثون في تاريخ الإخوان أنه أضاف الكثير من المعلومات حول تطور الجماعة إلا أن الكثير لا يزال بحاجة الى التوثيق والبحث كدور الشخصيات التي أسست الجماعة في البداية، ثم التي قادتها لاحقا، فالملاحظ مثلا كما يفهم من إشارة الشيخ الشرباصي أن مؤسس الجماعة عبدالعزيز العلي المطوع كان فيما يبدو أقل تأثرا بفكر الإخوان كفكر شمولي وعقيدة أيديولوجية من شقيقه عبدالله العلي المطوع الذي تولى بناء الحركة في السنوات اللاحقة، ونحن بحاجة الى تجميع المعلومات والمقابلات الصحافية والمقالات المتعلقة بمؤسسي الجماعة.

ويحق للباحثين السؤال: لمَ دعا إخوان الكويت نجيب جويفل على وجه الخصوص الى الكويت، وهو شخصية لم تكن الديانة والورع أو الدور الإسلامي الدولي طاغية عليه كالورتلاني مثلاً؟ لقد كان جويفل عضواً بارزا فيما يبدو داخل جهاز الإخوان السري "التنظيم الخاص"، كما كان كذلك على صلة بالقيادة المصرية وأجهزتها، فكيف كان جويفل يوازن بين الدورين؟

هل تمت دعوته لشهرته ومغامراته وجرأته مما كان يلقى قبولا في نفوس بعض الشباب الإخوان الكويتيين المتحمسين لما كانوا يعتبرونه عودة الإسلام والذين كما هو معروف وكما تنقل موسوعة الإخوان اصطدموا بالمؤسسين وخسروا؟ وهل كانت الدعوة قد تمت في بحر صراع عبدالناصر مع الإخوان وللاستعانة بخبرة الرجلين في تحصين الكويتيين ضد الأفكار القومية، حيث كانت الحركة القومية في بداية نشاطها الكويتي والخليجي وفي عدة أوساط طلابية وعمالية وبين رجال الأعمال كما يشير د.المديرس في كتابه ص 17-19؟

وقد تبنت الجماعة في الكويت فيما يبدو بعض أوجه الخبرة المصرية في تعبئة الإخوان وتنظيم الشباب كتأسيس الكشافة والتدريب في منطقة كاظمة على أشكال من أعمال الفتوة والرياضة، كما يقول البعض، بل نرى مرجعا يقول: "لجأت الجماعة الى تدريبات عسكرية في جزيرة فيلكا، كذلك كانوا يدربون عناصرهم في جزيرة بوبيان في السبعينيات باستخدام مناظير رؤية ليلية".

(جماعة الإخوان المسلمين في دولة الإمارات العربية المتحدة: الحسابات الخاطئة، د. جمال سند السويدي، أبوظبي، 2021، ص 19).

● خليل علي حيدر