الدوحة لعون: ساعدوا أنفسكم حتى ندعمكم

أصبحت مختلف القوى السياسية في لبنان على قناعة بأن البلد يقف أمام خيارين؛ إما الدخول في «صفقة كبرى» بين الجميع وإما الذهاب إلى اشتباك سياسي تكون له انعكاسات خطيرة شعبياً وأمنياً.

ولم تكن التحركات الاحتجاجية وقطع الطرقات، أمس، لرفض سوء الأوضاع الاقتصادية، إلا مؤشراً متقدماً لما يمكن أن يكون عليه المشهد في المرحلة المقبلة. صحيح أن هذه التحركات انحصرت في البيئات السنية المختلفة من طرابلس إلى البقاع وبيروت وصيدا، لكنها قابلة لأن تتوسع أكثر لتشمل مختلف المناطق.

جاءت هذه التحركات على وقع زيارة أجراها، أمس، رئيس الجمهورية ميشال عون لدولة قطر، وأجرى خلالها محادثات مع الأمير تميم بن حمد، وتحدث عن سعي لبنان لتحسين علاقاته مع دول الخليج وإنهاء الأزمة الحالية، كما دعا المسؤولين القطريين إلى التحفيز على الاستثمار في لبنان.

ورافق عون وزير الطاقة وليد فياض، خصوصاً لبحث ملف الطاقة، لاسيما أن لبنان يأمل دعماً قطرياً لمشاريع الكهرباء.

وعلى أثر مطالبة عون قطر بالمساعدة، تلقى جواباً من الأمير بالاستعداد لتقديمها والسعي لإصلاح علاقات لبنان العربية، على أن يساعد لبنان نفسه وفق مصادر رئاسة الجمهورية، التي تشير إلى استعداد قطري للمساعدة الاقتصادية والاستثمار، بعد إنجاز الإصلاحات المطلوبة وبناء عناصر الثقة.

ولا تنفصل التحركات الاحتجاجية عن زيارة عون، إذ هناك من أراد إيصال رسالة في الداخل والخارج أن الرئيس يغادر لبنان على وقع تظاهرات بسبب انهيار الأوضاع المالية والاقتصادية في عهده.

وللتظاهرات في البيئة السنية أسباب متعددة، بعضها ينطلق من خلفية الصراع على النفوذ وإثبات الحضور على الأرض، وبعضها الآخر غايته مطالبة سعد الحريري بالعودة إلى لبنان ولملمة الوضع، بدلاً من استمرار الضياع القائم، في ظل عدم وضوح الموقف النهائي لرئيس تيار المستقبل من المشاركة في الانتخابات النيابية المقبلة.

في هذا الوقت، تبدو الأوضاع كلها تتفلت من عقالاتها، في حين تبدو قدرة القوى السياسية على مواجهة الواقع القائم غير متوافرة.

من ينظر إلى اللبنانيين، سواء الذين كانوا في الطرقات وشاركوا في الاحتجاجات أو غير المشاركين، فستتبدى له ملامح الغضب على وجوههم؛ غضب ينذر بانفجار شعبي اجتماعي في أي لحظة، ويمكن لأي حدث أن يطلقه في تحركات كبرى، خصوصاً مع تحضير جهات نقابية وعمالية لتنفيذ المزيد من التحركات الاحتجاجية في الأيام المقبلة.

وعليه، سيكون الوضع في لبنان بحالة سباق بين المعالجة السياسية -التي قد تُرسي تهدئة معينة على الأرض وتُشكل مدخلاً لتلافي مثل هذه التحركات التصعيدية- ووقوع الانفجار في أي لحظة.

بالتزامن مع هذه التطورات، استمرت المشاورات في الكواليس بين «حزب الله» والرئيس عون وفريقه، للبحث عن صيغة تسوية ترضي مختلف القوى، تقوم على المقايضة بين ملف تحقيقات تفجير المرفأ وحصر التحقيق مع الرؤساء والوزراء والنواب بالمجلس النيابي، من خلال تشكيل هيئة تحقيق برلمانية، وبين إعادة تفعيل عمل الحكومة وإيجاد تسوية حول موعد الانتخابات النيابية وكيفية تصويت المغتربين اللبنانيين.

لا يزال العمل مستمراً للوصول إلى صيغة توافقية يعمل «حزب الله» على إرسائها بين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب نبيه بري. لكن حتى الآن، لا تزال هذه الصفقة غير مكتملة المعالم، في ظل معلومات تتحدث عن أن عون لا يريد فقط ضمانات تتعلق بالانتخابات النيابية، بل أبعد من ذلك، يريد وعداً من «حزب الله» بدعم ترشيح جبران باسيل لرئاسة الجمهورية، وهذا الموقف استدعى من عون تصويباً لموقف سابق أطلقه حول أنه لن يسلم البلد إلى الفراغ، فاعتبر عون أن هذا الموقف أسيء فهمه، وهو لم يقصد أنه لا يريد مغادرة القصر الجمهوري، بل الوصول إلى اتفاق وتسوية تسبق موعد الانتخابات لتحصل في موعدها، والتسوية التي ترضي عون فقط هي الوصول إلى تفاهم مع «حزب الله» لدعم باسيل للرئاسة، خصوصاً أن المعايير التي يضعها رئيس الجمهورية لانتخاب سلفه تنطبق على باسيل لناحية التمثيل الشعبي والسياسي ومقبوليته من أطراف مختلفة.

«حزب الله» يرفض إعطاء الجواب حالياً، ويفضل انتظار تطورات المنطقة، كما أنه لا يغفل أن باسيل مرفوض من أغلبية القوى السياسية، كحركة أمل، وتيار المستقبل، والحزب التقدمي الاشتراكي، والقوات اللبنانية وتيار المردة.

منير الربيع